Orient Net

أورينت نت صحيفة إلكترونية مستقلة إعلاميا و الآراء التي تنشر فيها لا تعبر بالضرورة عن سياستها الخاصة أو سياسة تلفزيون أورينت

» أخبار وتقارير «

قلعة (الصمود والتصدي) واحتراف تدمير القلاع

أورينت نت - نبيل يوسف

لم تكن المشكلة الحقيقية في تعامل النظام السوري مع المناطق الأثرية من قلاع وأسواق وجوامع وما إلى ذلك يتلخص في التمركز فيها، أو استخدامها كثكنات عسكرية مثلما مورس مع قلعة حمص مع بدايات الأحداث في المدينة منذ عامين أو أسواق حلب القديمة، فتلك الإٍساءة الرمزية للقيمة التراثية التاريخية السورية لا تقارن بالإساءة المادية والتدمير، واستغلال أو تشويه صورة الحضارة لا يقارن بتدمير تدلك الحضارة أو محاربتها عن سبق إصرار، فعندما تستهدف الصواريخ أسوار القلاع بقصد أو دون قصد، وعندما يتم تفخيخ قلعة أو سوق أثري، تكون المشكلة الحقيقية ليست بين جيش النظام السوري والجيش الحر، أو بين مؤيد ومعارض، وإنما بين مستبد لا منتمي وحضارة.
لا يمكن الغوص في تفاصيل الخراب الأثري السوري خلال عامين من الثورة، على اعتبار أن الأماكن التي تم استهدافها وتدميرها كلياً أو جزئياً، هي بوابة للحديث عن حضارة معينة مرت في المنطقة أولاً، ثم مدخل لصراع حضاري حقيقي تشهده البلاد، التي لم تشهد إحصائية واضحة لعدد المواقع الأثرية التي دمرها النظام بسبب صعوبة الحصر وصعوبة الدخول إلى تلك المواقع وتحديد مستوى دمارها، ففي حلب وحدها يتجاوز عدد المنشآت التاريخية التي تم تدميرها بشكل شبه كلي مئة منشأة، منها الأسواق القديمة والجامع الأموي الكبير بمئذنته الكبيرة التي بمجرد أن انتهت وظيفتها كمرصد قنص كان من السهل التخلي عنها بقذيفة، وفي حمص بات من الصعب تتبع أثر متحف قصر الزهراوي وكنيسة أم الزنار التي يعود تاريخها إلى العام 59 ميلادي، وتدمر تعرض أشهر معابد التاريخ فيها "معبد بل" للاستهداف، وفي درعا لم يكن الجامع العمري وحده ضحية همجية النظام إلا أنه كان الصورة الأوضح لسهولة التضحية بمئذنة أمر الخليفة الراشدي الثاني بنائها.
في تقرير منظمة "غلوبال هيرتج فند" عن وضع الآثار في سورية تم تفسير الدمار بثلاثة مسببات أولها التعرض للقصف وثانيها الاستخدام كمواقع عسكرية وثالثها عمليات النهب.
وتحدث التقرير أيضاً عن تحول بعض المناطق وأهمها المدن المنسية في ريف حلب وادلب والبالغ عددها 800 مدينة إلى مهرب للنازحين جراء القصف وبالتالي باتت هدفاً للنظام من جهة وللصوص من جهة أخرى، فيما كانت مسؤولية الحفاظ على تلك الآثار تقع على عاتق السكان المحليين، في الوقت الذي تؤكد فيه الهيئة العامة للآثار والمتاحف أن كافة المناطق الأثرية في سورية ما زالت تحت رعايتها حتى في المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة؟؟.


 قلعة المرقب:مرصد ومسرح للفبركة التمثيلية!
وفي بانياس كانت قلعة المرقب هي الموقع المحوري والأساسي الذي بإمكان النظام التمترس به من جهة، وبإمكانه بناء الروايات الخيالية عن استغلاله من قبل "المسلحين" من جهة أخرى، وذلك لعدة عوامل أهمها استراتيجية موقع القلعة بارتفاعها وإطلالتها المباشرة على مدينة بانياس ولأن القرى المحيطة بالقلعة هي من القرى الثائرة مثل المرقب، البيضا ووطاها، بساتين إسلام، الباصية، سهم البحر، بيت جناد، بالتالي يمكن للنظام استغلال ذاك الوقع الأثري الرحب والكبير والمحصن في الفتك بالحاضنة الثورية الساحلية الأولى والسباقة في مركب الثورة.
وتعتبر روايات قلعة المرقب من أكثر القصص التي شغلت سكان مدينة بانياس وما حولها، ففي البداية تم استهداف القلعة أثناء قمع الثورة في قرية المرقب وبانياس، ثم كانت سيطرة النظام عليها وعزلها العالم الخارجي بعيداً عن أسوارها ما أمكن من تصوير الفيديوهات في داخلها حسب ناشطين من بانياس، حيث يؤكد أحد أعضاء تنسيقية بانياس للثورة السورية أن القلعة استخدمت بادئ ذي بدء للتمترس والقنص والإشراف على الأمور الأمنية في المرقب والبيضة وبانياس وخاصة حي رأس النبع، ثم تم اقتياد السجناء إليها لتمثيل أدوار المسلحين في المسلسل السوري، إلا أن النظام فشل في كل تفاصيل هذه الرواية فبدا المسلحون في القلعة بإمكانيات تنظيمية هائلة وألبسة موحدة وأجهزة اتصالات لاسلكية وأسلحة عالية الجودة في فترة مبكرة لم يمتلك فيها ثوار بانياس ما يزيد عن بنادق الصيد، هذا من جهة ومن جهة أخرى تم بث المقاطع في تواريخ كانت بوابة القلعة فيها محمية من قوات النظام وكان علم النظام يعتلي أسوارها.
إلا أن السيطرة على قلعة المرقب واستخدامها كمتراس للنظام ومركز عسكري للقصف لم يلغ الخوف منها، فقدم بعض عناصر النظام القيمين في حواجز قرب القلعة شكوى بوجود عدد من خيالات الجن يلبسون الأبيض ويتجولون على أحصنتهم ليلاً، وهو ما فتح الباب أما ثورا بانياس لاستغلال هذه القضية في تركيب المقالب الكوميدية وتخويف الحواجز بالإمكانيات البسيطة في حملة التضامن مع الجن التي نظمها بعض شباب منطقة بانياس.

 قلعة المضيق
نموذج قلعة المضيق المطلة على سهل الغاب ومدينة أفاميا الأثرية كان أكثر قسوة من المرقب، على اعتبار أن هذه القلعة شهدت قصفاً مدفعياً مباشراً وتم تدمير جزء كبير منها، ولم يقتصر العمل التدميري على حالة اشتبكات أو استهداف بسيط، فالقلعة شهدت عملية تخريب ودمار ممنهج باستخدام الدبابات والجرافات، وهو ما وثق وسجل خلال شهر نيسان 2012.
وهذا الدمار لم يستثنِ أسواق المضيق الأثرية وجامعها وكل المحتويات التاريخية في المنطقة وصولاً إلى أفاميا، ولا نستغرب إذا عرفنا بأن الجيش الحر بات يتوانى عن التمركز بقلعة أو حصن خاصة في محيط المضيق وسهل الغاب خوفاً من تمكن النظام من خلق مبررات إضافية للتدمير والنهب.

 صراعٌ مع الحجر !
وأمام الصراع مع الحجر الأثري والشاهد التاريخي من شرق سورية إلى غربها دون استثناء أية قلعة أو مدينة لا يتبدى أي موقف واضح لليونيسكو المنوط بها الحفاظ على المواقع الأثريه والتاريخية سوى إجراء عمليات حسابية وإحصائية للدمار، المنظمة التي وقفت في مجمل تاريخها ضد كل العمليات الحربية التي تستهدف الآثار، لتبقى الحضارة السورية بكل مكوناتها التراثية ومدنها الشاهدة على مجمل عصور التاريخ تحت حماية المجتمعات المحلية واللجان وكتائب الجيش الحر التي شكلت في الكثير من المناطق تجمعات عسكرية للحفاظ على الآثار من الدمار والسرقة.
المرقب، المضيق، قلعة حمص، قلعة حلب، تدمر، بصرى، إيبلا، وغيرها من مساجد وكنائس وقصور وقلاع وأسواق هي هدف مغرٍ لدبابة النظام السوري، ومحو المعالم الأثرية واستهدافها هو جزء من قمع الإنسان الحر ابن هذه التراكمية الحضارية، فليس دمار المضيق والجامع العمري والمدن المنسية وغيرها إلا جزء من مواجهة الثورة الإنسانية، وحرية الفكر والتنوع التي تنضح بها الجغرافية التراثية السورية ما هي إلا مورد ثوري مزعج للاستبداد، ومن يقف ضد مظاهرة رفع شعار السلمية وتفوقت أخلاقياً وفكرياً على عدوها، لن يردعه شيء من الوقوف في وجه التاريخ خاصة في اللحظات الأخيرة التي يلفظه هذا التاريخ فيها خارج حصونه.

26/4/2013

عدد القراءات : 2379
رابط مختصر:
لمشاركة الصفحة