في الطريق إلى الصين.. رحلة عذاب يومية

  • أورينت نت - جاسم الحموي- حماة
  • تاريخ النشر: 2014-02-23 22:00

كلمات مفتاحية


كثيرةٌ هي المقولاتُ التي تحضُّ على طلب العلمِ وتُعلي شأنه وتبرزُ أهمية الالتحاق بركبه مهما كانت المتاعب والصعوبات .

مقولاتٌ قد صارت جزءاً من تراثنا ,ويكاد لا يوجد أحد إلا قد سمعها وتصدع رأسُهُ منها ,لعل أشهرها مقولة ( اطلب العلم ولو في الصين ) التي تدعوا الانسان إلى تقفي أثر العلم والالتحاق بجذوتِهِ مهما طالت المسافات وكان الجهد كبيرا....
غير أنه وفي ظلّ الظّرف الحاصل في سوريا باتت هذه المقولاتُ أشبه بأمر عاديٍ يعيشُهُ أبناؤها ..والتي تجعل السفر بين المحافظات - في رحلة البحث عن العلم - أصعب من طلبه في أقاصي الأرض.

"هي رحلةُ العذابِ اليوميّة الّتي كُتب عليّ أن أعيشًها خلال حياتي الجامعيّة" ,بهذه الكلماتِ البسيطةِ ... يصف الشاب خالد - ابنَ مدينة حماة - رحلته شبه اليوميةِ إلى جامعته.... ومايرافقها من أحداث أليمة.

خالدٌ .. طالبٌ في كلية العلوم ,بدأ دراسته في جامعة حمصَ قبل عام من اندلاع ثورة آذار ولكن ..ومع بدء الثورة ..آثر إلا أن يشارك بها فاختار العمل الطبي ....من إسعاف للجرحى أو تفقد أحوال المصابين الذين كانوا يسقطون في المظاهرات السلمية ,اقتحامات قوات النظام المتكررة للأحياء ,أو حتى في الاشتباكات التي كانت وما تزال تحدث أحيانا في شوارع مدينة حماة .وما يزال مستمرا بما بدأه بحرص شديد ,دون أن يتعرض لأي ظرف يجعله ملاحقا أمنيا..
إلا أنه كغيره من الشباب لايفضّل المرور على حواجز النظام تخوفا من أي مستجدات قد تسبب اعتقاله.

ويقول خالد: "يبدأ مسلسل الرعبِ الحقيقيِّ مع انطلاقِ الحافلة متجهة إلى حمص.. لأنك بتّ الآن حبيس وسيلة نقلٍ ,لاتعطيك حرية الاختيار أو حتى مساحة للهرب ان اضطر الأمر"
يقدَّر عدد الحواجزِ المنصوبةِ على الطريق بين حماة و حمص بحسب المسافرين بأحدَ عشرَ حاجزاً ,لكلٍّ منها استفلاليته وتبعيته الخاصة لفًرعه الأمنيّ ,بل إن منها ماهو تابع لتنظيم حزب الله اللبنانيّ ,يرفعُ علمه,ويضمُّ عددا من عناصره.

وما يزيد الطين بلّةَ هو أن كل هذه الحواجز قد نصبت في طريقٍ فًرعيٍّ يمر بالعديد من القرى الموالية للنظام ,وقد تمّ اعتماده أواخر العام الأول للثورة تقريبا ..بالتزامن مع اشتداد المعارك والاشتباكات على جبهتي الرستن وتلبيسة اللتان تشرفان على الطريق الرئيسي ,ماجعل الوقت الذي يقضيه المسافرون على هذا الفرعي هو ساعتان ونصف الساعة حتى الوصول بدلا من ثلث ساعة كالسابق.

وعند كل حاجز وفي كل مرة ... يتم إيقاف الحافلات والسيارات ,وأخذ البطاقات الشخصية "لضربها على الفيشة" للتحقق من وجود أي مطلوبين للأفرع الأمنية ,يترافق ذلك بتفتيشٍ همجيٍّ للأمتعةِ وسرقةِ بعضها أحيانا ,أو التوجه بالشتائم والألفاظ النابية إلى الركاب.

"لايوجد شعورٌ في العالم يعدِل مايمكنك أن تشعر به عند التوقّف على الحاجز إن كنت من العاملين في الثورةِ أو حتى من معارضيّ النظام "يقولخالد .. ويضيفُ واصفاً حالته في اللّحظات التي يعيشُها مابعد أخذ البطاقة الشخصية منتظرا عودتها "برودةٌ في الأطرافِ ,توسعٌ في الحدقةِ ,وتحسُّ لوهلةٍ أنّ نبضكَ قد توقّفَ ,دمك قد تجمّدَ وشريطُ حياتِكَ يمرُّ أمامك سريعا ,وتحاول على عُجالة تفقُّد جوّالَكَ وحقيبَتَكَ علّكَ نسيتَ دليلاً ما قد يدينُكَ ,وتبدأ معها أشباحُ الاعتقال والتعذيبِ تترائى لك وأنت تُتَمتِمُ بما تحفظُهُ من أدعيةٍ وأذكارٍ علّكَ تنجو من بين براثن هؤلاء... وماهي إلا دقائقُ حتى يعود العسكري حاملا معه البطاقات .

وبعد أن يوزعها قد ينادي على أشخاص يبدو أنهم ولسوء حظّهم بات لهم اسم على لوائح المطلوبين .... وكثيرا ماكان الأمر محضَ تشابهٍ في الأسماء"
وبحسب خالدٍ ..فإن الباصاتِ التي يركبونها تكون عادة مخصصة للطلبةِ الجامعيين لأن هذا أفضل للفرز على الحواجز كما تزعم شركاتُ النَّقلِ ,حيث أنه يتم التغاضي عنهم أحيانا أوتقديمهم على غيرهم في التفتيش لمنع تأخّرهم .

ولكن وفي حال اكتشَف عناصر أحد الحواجز وجود شخص من غير طلبةِ العلمِ بينهم انهالوا عليه ضربا وشتما متهمين إياه بمحاولة التخفي بينهم حتى وإن كان غير مطلوب ,وكثيرةٌ هي القصص التي تواترت عن ضرب رجال بل وحتى مسنينَ وقعو خطأ أو عمدا بهذا الأمر.

بالانتقال إلى طريق آخر ورحلة أخرى .... يصف معتصم - طالبٌ في كلية الحقوق بدمشق - الرّحلة بين حماة والشام بأنها قد تكون أحيانا فلم رعب حقيقي ,وأنه إضافة لما ذكره خالد عن المخاطر الامنية فإن هذه الرحلة قد تودي بحياتك .
ذاك أنه كثيرا ما تم إطلاق النار عليهم خطأ أو حتى عمداً على طريق سفرهم لجامعاتهم من قبل جيش النظام أو بعض الجماعات المجهولة.

ويضيف بأنهم وفي أثناء أحدى الرحلات خلال معارك القلمون السّاخنة قد أغار طيران النظام الحربي قرب حافلتهم ما تسبب بموت طالبتين أصيبتا بشظايا حينها ,ولم يتمكنوا من إسعافهم لعدم وجود أي مشفىً قريبٍ على طول الطريق.

وبلقاء مع الآنسة باربي طالب (منسقةُ اتحاد طلبة سوريا لأحرار- فرع حماة) أكدت أنّ من أخطر ما يقع على الطلبة خلال طرقات السفر هو عمليات الخطف التي تطالهم والتي تكون على خلفيات إثنيّةٍ أوماديةٍ لاستبزاز أهلهم وطلب فدية بالمقابل ,على أنه كثيراً ما كانت نتائجَ هذه التفاوضاتِ سلبيةً ,ليستلم الأهل أبنائهم جثثا هامدة على الرغم من دفع المبالغ المتفق عليها ,أو ليسمعوا بعد طول بحث وتنقيب أن أبنائهم في أحد الأفرع الأمنية دون تهمة واضحة أو سبب يذكر.

وتختم كلامها قائلة: "ولكنّ ما هو أصعبُ وأشدُّ إيلاماً .... هو أن كثيرا من الطلبةِ المختطفين لم يُعرف عنهم أدنى معلومةٍ فيما يخصّ مكانهم أو فيما إن كانوا أحياء أم اموات ...ليبقي مصيرهم مجهولا ,ومستقبلهم ضبابيا .... كحال المستقبل التعليمي في هذا البلد" .

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
ما رأيك بمخرجات مؤتمر أستانا الأخير؟