الحصار، بعيدا عن القتال والاشتباكات وبعيدا عن القصف والتفجيرات، ومن لم يعش تحت حصار الأسد، لا يعرف عنه سوى محاولات اقتحام من النظام وقصف يستهدف تلك المنطقة، وقد تم الحديث عن بعض المناطق التي عانت من حصار الجوع وعن شهداء قضوا جوعا. سيكون الحديث عن الحصار من جهة أخرى وعن أناس يعملون بصمت او يعيشون هذا الوضع بصمت، آلاف من السوريين محاصرين ولا نعرف كيف يعيشون او بماذا يفكرون واهم ما يتمنون..داريا بوابة الغوطة الغربية التي تعيش حصار منذ ما يزيد على 660 يوم، وكان فيهم سبعة شهور هم الأصعب، حيث بدأ الحصار الحقيقي وبدأت عمليات البحث لتأمين الحاجات من الطعام مثل الرز والبرغل . عامين وأنا بالحصار يقول ( أيهم ) من داريا: "بعد بدء الحصار نسينا الخبز الطبيعي وكنا نخرج الى البساتين للبحث عن أي شيء يمكن أكله، حيث وصل سعر كيلو الرز أو البرغل إلى ( 5000 ) وكذلك السكر و الطحين إلى ( 7000)، بدأت اشتاق للسكر، أن أشرب شاي مع سكر " لكن بهذه الأيام أصبح ( السكرين) صديق لا يبتعد عني وشيء ثمين جداً" . آخر مرة خرج فيها أيهم من داريا كانت في الشهر الأول عام (2013)، وبالتالي كانت تلك "آخر مرة ألتقي فيها أهلي وخطيبتي، عدت إلى المدينة بعد يومين ومنذ ذلك اليوم أغلقت الطرقات ولم أخرج حتى الآن، ولم ألتقي بأحد من عائلتي ". لم يتوقع أيهم أن يكون الحصار بهذه الطريقة وبهذه المدة الطويلة وأن " يستخدم الجوع كسلاح ضدنا، لم يخطر في بالي يوماً فكرة فقدان الخبز" والخبز هو من المواد الأساسية بالنسبة للسوريين، كذلك الأرز والبرغل، في المدن المحاصرة يجب أن تتأقلم وتعيش بدون هذه المواد "لم أعتقد أن يستطيع أحد تجويع شعب بالقوة، نساء أطفال رجال " أين العالم؟ اعتقد أيهم، شأنه شأن العديدين، أن النظام لن يتمكن من حصار المدينة، وأن الألوية والكتائب لن تلبث أن تقوم بعمليات لفك " كنت أسمع عن عمليات عسكرية باتجاه داريا، لكن الكلام بقي مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي وجذب الدعم والتمويل". ومن أصعب الحالات التي قد تواجهك تحت الحصار، أن ترى رجلاً كبيراً في العمر، يبحث عن أي شيء ليطعم أولاده، أو طفلا يبكي من الجوع، أو أن تشاهد إمرأة تبكي بصمت وتنظر للسماء. وكثيراً ما كان يكرر أيهم أثناء حديثه: "أين العالم، هل يعرفون ما يحصل هنا، هل من المعقول أن يكون هناك كتائب تأكل وتشرب ونحن نشتهي قطعة من الخبز". أيهم وحيد لأهله وقد خطب قبل الثورة بشهرين، عن المستقبل وكيف يراه يقول "عندما أجلس وحيداً وأفكر بنفسي أو مستقبلي، وكيف سيكون، في حال كان هناك مستقبل، وهل سأستطيع أن ألتقي بأهلي مرة أخرى. هل سأتزوج الفتاة التي لم تمل من انتظاري. أفكر بالثورة وهل هي الثورة التي خرجنا بها منذ ثلاث سنوات وأكثر، أحسد الشهداء لأنهم ارتاحوا من الألم الذي يزداد كل يوم ويكبر فينا. أفكر بنصر لسوريا ليتوقف القتل، هذا القتل الذي يتم باشراف وقبول عالمي، الكل يراقب بصمت ". أيهم، كما بقية أهالي داريا، ينتظرون اليوم الذي ينتهي فيه هذا الحصار الخانق " انتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، يجب أن أخرج لأرى أهلي وأكون مع خطيبتي، لقد أتعبتهم كثيراً اعتقالات وهرب من المطاردات الأمنية، والآن هذا الحصار"، ز لم يتمكن من إنهاء دراسته الجامعية وهو أيضاً لا يتقن أي مهنة لكنه بالرغم من ذلك يبدي تفاؤلاً واستعداداُ ليبدأ حياةً جديدة "عندي قناعة كاملة أن العالم هو ضدنا، ولكن عندي أيضاً ثقة بالله أن النصر لنا". أنا انسان قبل وداع أيهم سألته : في حال استطعت الخروج ليوم واحد هل ستخرج وماذا ستفعل؟ يبتسم قبل أن يجيب "لن أخرج ليوم واحد فهذا سيزيد من عذاب أهلي وعذابي، عندما أرى دمعة الشوق لابنهم لن أستطيع العودة وسأبقى معهم، وخطيبتي التي تنتظرني منذ أريع سنوات، وكنت قد وعدتها أنه بعد فترة قصيرة سنكون معاً، ونكمل الحياة سوياً". يبقى الحصار حصاراً، ويختلف من شخص لآخر، وتختلف الأحلام والأماني فحصار داريا مثل حصار الغوطة الشرقية يعيشون على أمل النصر ونهاية معاناة عمرها شهور "آلاف الشباب مثلي، ويمكن لكل واحد قصة من الحصار بس نحنا بشر وعنا مشاعر واحاسيس، وبدنا نعيش متل مو العالم عايشة .. آخر شي بدي قولو أنا انسان مالي حيوان وهالعالم كلها متلي" . ودعت دمشق وصليت في مسجد "لالا باشا" (إياد)، شاب من مدينة دوما، في يومه الأخير خارج دوما كان يوم انتهاء تأجيل الخدمة الالزامية، 1512 حيث يوم انتهاء فترة التأجيل، "ودعت الشام بمختلاف شوارعها وصليت العصر في جامع " لالا باشا" بشارع بغداد وعبيت بنزين وذهبت باتجاه دوما وعند الحاجز سألوني عن التأجيل واخبرتهم أنه سيكون جاهزاً غداً ولكن ( غداً ) لم يأت الى الآن ....". يتكلم إياد عن حصار دوما بعد تحريرها بتاريخ 25-10-2012 "بالرغم من استمرار القصف العنيف والمركز على المدينة، كانت المدينة ما تزال بوضع عادي بالنسبة لأسعار المواد الغذائية، وكان الأهالي قادرون على الخروج والعودة، ولكن بعد بداية الحصار الحقيقي في شهر 10 -2013 بدأت الأمور تزداد سوءا والأسعار ترتفع ومعاناة الحصار والمحاصرين تزداد". ينظر إياد إلى سيارته ويتذكر أيام الوقوف عند " الكازية " ويقول أن " قاطع الكهرباء الرئيس في منزلنا كان "72"أمبير ولمدة 24 ساعة ولكن حاليا يعمل على 2 أمبير وساعتين فقط". أريد زيارة دمشق لأتناول الخبز في حال استطاع الخروج ليوم واحد من الحصار يقول إياد "كتير بفكر اذا بقدر اطلع ع الشام " 24 " ساعة بس اول شي بعملو هو اني كون بشي بيت و طق زر الكهربا بالنهار و شوف الضو شاعل شوف المكيف شاعل ، مكنسة الكهربا ، الخلاط ، اللاب توب ما يفضى ، هي أشياء كتير بسيطة بس بالنسبة للي قاعدين بالغوطة هي الشغلات صارت حلم، آكل بيتزا و فراريج و خبز عادي تبع ايام زمان اعمل كل شي محرومين منو هون بالغوطة .... و خلص ارجع لدوما بعدين ما بدي ضل هونيك". اشتقت لأختي من دوما أيضا تقول هدى التي لم تخرج من المدينة منذ شهر "11" العام الماضي، " أصبح الحصار شيء عادي وتعودت عليه وكنت مقتنعة انه سيكون حصار طويل نسبيا، وأهم ما أفكر فيه هو متى سينتهي ونعود لحياتنا، فهذا مثل حصار حمص القديمة سابقا، اذا استطعت الخروج ليوم واحد سأذهب لزيارة أختي التي لم ألتقي بها منذ عام وسأشتري بعض الثياب وأشرب قهوة في مكان هادئ ومن الاماكن التي احبها وبعد ذلك اعود لمدينتي". ثلاث سنوات داخل داريا ناشط إعلامي في داريا لم يخرج من مدينته منذ ثلاث سنوات، بداية بسبب كونه مطلوباً للأمن السوري، وبعد ذلك حصار المدينة بشكل عام يقول مجد أن الوضع كان جيداً، وكان بالنسبة له فرصة للاحتكاك بأكبر عدد من الناس، بحكم عمله كإعلامي، واستطاع الاحتكاك بالثوار على الجبهات، وكان العمل هو أهم أولوياته فتمر "الأيام بسرعة بدون التدقيق على شيء"، ويقول إنه عندما استطاع مع صديقه تصوير أروع مقطع في الثورة لتدمير دبابة "زادني ذلك إصراراً على إكمال عملي والتعايش معه". كانت قناعة (مجد) أن الحصار سيكون طويلاً وصعباً على الجميع، حيث أن داريا هي الأقرب لدمشق، والخروج من الحصار في هذه الظروف كما يقول مجد سيكون صعباً ومراً " سمعت عن شباب خرجوا من داريا، الأشياءالتي حدثت معهم لا يمكن تصورها، لذا أفضل أن أبقى محاصراُ، على أن أتعرض لما تعرضوا له". يقر مجد بأن وضع الحياة في الحصار مستحيلا ويمكن أن يستشهد باي لحظة أو يصاب، لكن القصص التي تصلهم من خارج الحصار قاسية " أحاول عدم تصديق ما أسمع، ولا أتمنى ذلك لأنه سيسبب صدمة قوية لي، أتذكر أيام الدراسة وكيف كانت، وشهور الثورة الأولى" يصمت مجد قليلاً ليشرق وجهه بالأمل من جديد " لكن الثورة يجب أن تعود، وأن يتم تصحيح مسارها، وفصل الشباب بين الجيد والمسيء والمستغل. يجب أن نحقق أهدافنا التي خرجنا لأجلها منذ ثلاث وسنوات ونصف".