عكس مهرجان السينما السورية في تورنتو، أهمية تسليط الضوء على القضايا الأكثر حساسية، بالنسبة لحياة السوريين ومعاناتهم المريرة، بفعل التطورات المتلاحقة، الناجمة عن الحل العدواني القمعي الذي لجأ إليه نظام الأسد، لمواجهة الثورة السورية، ووأد الانتفاضة الشعبية ضد الاستبداد.  وكان توجه إدارة المهرجان للتركيز على الفئات الأكثر ضعفاً وتضرراً في الحالة السورية الراهنة، وهم النساء والأطفال اللاجئين الذين بلغت معاناتهم في المخيمات وبلدان اللجوء والشتات، حدوداً لم يمكننا تصورها، بلغت سقف الكارثة الإنسانية، في ظل توافر اسباب عديدة، من اهمها عجز العالم عن وقف أسباب معاناة السوريين، التي ظلت تتفاقم وتتضاعف، وتنال أكثر فأكثر من الفئات الضعيفة، وفق التصنيف الاجتماعي.  رؤية الدورة الأولى لمهرجان السينما السورية – نوفمبر2015، انجزت- في اعتقادنا - رسالتها الأساسية المباشرة، وهي تحسيس المجتمع الكندي بالمعاناة والآلام الكبيرة التي ترتبت عن حرب القوى الفاشية، ضد جميع السوريين، ونتج عنها مآسٍ إنسانية بالغة القسوة، وسوف يكون لنتائجها تأثير كبير على أجيال لاحقة من المجتمع السوري. ولذلك اختارت هيئة المهرجان هدفاً أساسياً هو" تسليط الضوء على محنة الناس، وأزمتهم المعقدة التي يعيشيونها ، فالنسوة يتصارعن مع الحياة، في نضال نوعي من اجل البقاء والاستمرار، وحماية اطفالهن، وتجاوز المحنة ". وعني المهرجان  بخطابه الاقتراب ما أمكن من ذهنية المجتمع الغربي/ الكندي.  من جهة أخرى، يسعى المنظمون، إلى تقديم صورة جديدة عن المجتمع السوري، الثقافة، التاريخ والحياة، عبر مجموعة من الأفلام الوثائقية والطويلة، التي تعرض في إطار دورات المهرجان المقرر ان يكون سنوياً- كما أشار ماهر العظم- إضافة إلى انشطة ثقافية متعددة، مثل عرض فيلم " بلدنا الرهيب " قبل نحو شهر، والنقاش الهام الذي جرى عقبه. اختارت لجنة المهرجان، التي تولتها المخرجة الأفغانية المعروفة عائشة جمال، ثمانية أفلام، من أصل 60 فيلماً عن الثورة السورية، تمت مشاهدتها وتقييمها، قالت في تقديمها " أن الأفلام المختارة تمثل أصواتاً و وجهات نظر جديدة، في الوضع السوري المعقد اليوم". والواقع اليوم يحتم تقديم أصوات جديدة، جادة ومختلفة، لعلها تكون قادرة على إيصال رسالة السوريين عبر الصورة المكثفة الغنية بدلالاتها، بخاصة وأن المجتمعات الغربية، لديها صورة ذهنية نمطية وخاطئة عما يحدث في سوريا، بأنه حرب أهلية، في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة انتشار الأعمال الإرهابية، التي تحرك نوازع الخوف في الغرب، من اللاجئين والمهاجرين بشكل خاص. العروض تضمن البرنامج على مدار ثلاثة أيام، ثلاثة عروض في اليومين الثاني والثالث. أما اليوم الافتتاحي، فقد شهد فيه الجمهور عرض وثائقي، وآخر طويل : ملكات سوريات، لياسمين فضة. وثائقيات   تم اختيار ستة أفلام وثائقية قصيرة، أولها بيت يكبر، وهو الشريط الوثائقي الذي يقدمه فيصل الأطرش ( 22 دقيقة ) ويتناول فيه حياة اسرة سورية نازحة في مخيم الزعتري. من خلال حكاية سامر، الحلاق السوري الذي يحلم بالعودة الى الوطن وإلى بيته الذي ينمو في داخله كل يوم يمر عليه في المخيم، مشغول البال على الأهل والناس في البلد، على الرغم من سعيه للعمل المتواصل كحلاق، وتحسين ظروف معيشته وأسرته داخل المخيم. -هدف لسوريا، فيلم أمجد وردة المعروف (2015) عن القبعات البيض، رجال الدفاع المدني في حلب، وهو يبرز بوضوح أهمية الدور الذي يقومون به تحت القصف المستمر للأحياء المدنية- السكنية في حلب، وعمليات الإنقاذ التي يقومون بها تحت الخطر. وهو مايجعل من الفيلم الوثائقي صورة صادقة عن حقيقة من حقائق الحياة السورية بكل تفاصيلها الحية. -الغماية، فيلم تجريبي وثائقي اسباني، يتناول قضية الضياع التي تلازم الأطفال المهاجرين الذين تتلقفهم حياة التشرد في المخيمات اللجوء في لبنان، التي تقدم لنا في الكاميرا لمحات من بؤس السوريين هناك، عبر حياة إمرأة شاردة هناك ، مع طفلها، بكل المعاناة والعوز لكل أسباب الاستمرار. -الشتات لأندريس قطان، يطرح فكرة الوطن، عبر مجموعة من مشاهد اللجوء في المخيمات المنتشرة في بلدان الشتات، من خلال ماتناولته وسائل الإعلام حول معاناة السوريين اللاجئين الذين فروا الى الأردن، وانعكاس ذلك على فكرة الوطن كقيمة أساسية. أفلام طويلة  الفيلم الأساسي للمهرجان، هو ملكات سوريات، للمخرجة ياسمين فضة. يتناول حكايات 60 امراة سورية هجرن بلدهن واضحين لاجئات في المخيماتن يواجهن مشاق الحياة ومتاعبها، وأثر الحرب والفقدان. تستلهم فضة في فيلمها حكاية نساء طروادة، بما تعرضن له إثر فتح المدينة وخرابها على يد الأثينيين، وتعكس مدلولاتها على أحداث اليوم في سوريا، وخاصة معاناة المراة السورية اللاجئة. تروي كل منهن حكايتها مع الموت والاعتقال، والرعب الذي عاشته مع أسرتها، مع الإبن، والزوج الذي غاب. ورغم الآلام فالمرأة السورية، هي الملكة القادرة على النهوض مجدداً، على الرغم من كل شيء. -" مخاوف الصباح، أناشيد الليل " فيلم سلمى الديري ورولا لادقاني (2012) هو حكاية شابة تنتمي الى عائلة تتبنى أطروحات النظام بشأن الإرهاب الذي يلصق بالمعارضة السورية، لكنها امتلكت قرارها بالانضمام الى الثورة، وكانت شاهد عيان على القمع والاستبداد والقهر الذي يمارسه النظام بحق السوريين. في النهار تنشط في سياقات الثورة تحت غطاء العمل، وفي الليل توقد شمعتها وتكتب وتغني للثورة. هي حكاية التصالح مع الذات، والإيمان بضرورة التغيير، رغم الظروف التي تحاول جذبها بعيداً عن القناعات التي وصلت إليها. -50" قدم من سوريا" (2015) فيلم سكاي فيتزجيرالد الجديد، ويعتبر العرض ثاني اهم العروض لهذا الفيلم، بعد تقديمه في الولايات المتحدة( متحف الفن – بورتلاند) خلال أكتوبر الماضي، ولقي اهتماماً ايجابياً، نظراً للحكاية التي يتناولها الفيلم، والفكرة التي يطرحها. وهي حكاية الطبيب السوري هشام بيسمار الذي لايتوقف عند معرفته للمعاناة السورية في المحنة الكبيرة، لكنه يغادر عمله كطبيب عظام معروف وناجح، الى المشافي الميدانية في الشمال السوري، عبر تركيا، لتقديم خدماته للجرحى المحتاجين الى عمليات جراحية عاجلة، جرّاء إصاباتهم في الحرب القذرة التي يشنها نظام الاسد ضد المدنيين السوريين، وعني الطبيب بكل الحالات التي وصل إليها، فيما يبرز الفيلم إشكالية أولئك الذين فقدوا جزءاً منهم: أطرافهم، الأقدام والأيدي. يعرض الفيلم، مشاهد حية للضحايا، وكذلك معالجتها مع الطبيب الذي يواجه معاناة حقيقية، في مساعدة الناس على تجاوز محنتهم الطبية، نظراً لصعوبة الموقف حيال اطراف لم تعد موجودة. " نحنا مو هيك " فيلم كارول منصور، يتناول قصص خمس نساء سوريات لاجئات في لبنان، يتحدثن عن تأثير تجربة اللجوء وانعكاسها على حياتهن. ينتقلن إلى حال من التشرد والضياع المريراللاتي أضحين في خضمّ أمواجها بكل ماتحمله من ألام مثقلة بأمراض اجتماعية. النسوة الخمس ينتمين إلى خلفيات اجتماعية مختلفة، فيما يجمعهن حال اللجوء والواقع الذي يجبرهن على تبادل الخبرات لمواجهة صعاب الحياة وتحدياتها، واليقين بأن لامستقر لهن هنا في المخيمات.  حوار وتفاعل حفلت أيام  مهرجان السينما السورية، حوارات عقب العروض، بمشاركة عدد من الفنانينن وصناع الأفلام، وأصحاب الحكايا، إن جاز التعبير، حيث كان الفنان السوري جهاد عبدو ضيف المهرجان وخصص اليوم الأول للحوار حول السنما والثورة السورية وتاثيرها في حياة الناس من خلال تجربته الشخصية. مشيرا الى مايتعرض له الفنانون السوريون من قمع واستحواذ على صناعة الدراما في سورية. كما كان المخرج فيصل الأطرش حاضراً عبر السكايب، فقد استضاف المهرجان كلاً من المخرج الأميركي سكاي فيتزجيرالد، وبطل فيلمه الطبيب هشام بسمار. كان المهرجان فرصة مهمة ليس للحديث عن السينما ودور الفن في ظل الحروب والصراعات المسلحة فحسب، ولكن ايضاً في نقل صور المعاناة السورية، كما هي للعالم، في محاولة لتحسيسه بما يحدث للسوريين المنتفضين من أجل الحرية والكرامة.