تمكنت فصائل الجيش السوري الحر، والمنضوية في غرفة عمليات مارع، ومجلسها العسكري الذي يجمع كل الفصائل الثورية المقاتلة تحت مظلته، من التصدي للهجوم الأخير الذي شنه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مدينة مارع كبرى معاقل الثوار بريف حلب الشمالي، وقتلوا أكثر من ثلاثين عنصراً تابعين للتنظيم بينهم أجانب ومن جنسيات عربية، وأسروا آخرين . وكما جرت العادة في العمليات العسكرية التي يشنها التنظيم باتجاه المدينة، والتي تعتبر أبرز أهدافه منذ أن وصل إلى مشارفها أواخر العام 2014 ، يبدأ بالتمهيد لاقتحامها بعد منتصف الليل، ويستهل عمليته بقصف مكثف بالأسلحة الثقيلة، الهاون والمدفعية والصواريخ ومدافع جهنم محلية الصنع، كما جرى في آخر هجوم له منذ أيام، حيث طال المدينة أكثر من100 قذيفة خلال وقت قياسي بهدف تشتيت مقاتلي الجيش السوري الحر وإرهاب المدنيين الذي لا يزالون في المدينة برغم الخطر الكبير . وتقدم عناصر التنظيم فعلياً، فجر الثلاثاء، من الجهة الجنوبية، من مواقعها في حربل، وسيطرت على عدة نقاط متقدمة في المنطقة الفاصلة بينهما، ودارت معارك هي الأعنف منذ شهور حتى الساعات الأولى من الصباح، وأرسل التنظيم ثلاث سيارات مفخخة يقودها انتحاريون  ليستهدف من خلالها الصفوف الأولى للجيش الحر ودفاعاتها وتحصيناتها في الخطوط الأولى، لكنه فشل في ذلك بعد أن استهدفت جميعها من قبل مقاتلي الجيش الحر بالمضادات ما تسبب بانفجارها قبل أن تصل إلى أهدافها. "داعش" والمهمة الصعبة في مارع واستخدم التنظيم الدبابات والمدرعات في هجومه الأخير، وتمكن مقاتل الفصائل من تدمير إحداها بينما لاذ مقاتلو التنظيم بالفرار بعد معارك عنيفة انقلبت لهجوم معاكس شنه مقاتلو فصائل الجيش السوري الحر وطاردوا عناصر التنظيم في محيط المدينة وقتلوا الكثير منهم بينما عاد من نجا إلى مواقعه القديمة في البلدات التي انطلقت منها العملية " تل مالد وحربل ".  مدير المكتب الإعلامي في لواء المعتصم، حسين عباس، أكد لـ"أورينت نت " أن تنظيم الدولة الإسلامية مني بخسارة فظيعة في هجومه الأخير على المدينة، ولم يكن يتوقع التنظيم كل هذه المقاومة من قبل فصائل الجيش السوري الحر برغم انشغالهم على عدة جبهات في الشمال ضده وفي الغرب مع قوات سوريا الديموقراطية التي تقودها "الوحدات الحماية" الكردية. وأضاف عباس " ظن داعش أنه قادر على دخول مارع، وكان مقاتلوه متأكدين من نجاحهم في احتلال المدينة هذه المرة لكنهم فوجئوا برد فعل قوي جداً، وتكتيك عالي تسبب بمقتل العشرات من عناصر التنظيم، من خلال الكمائن والهجمات العكسية المنظمة التي كانت بإشراف غرفة عمليات مارع والتي تشترك فيها كل الفصائل المقاتلة من أبناء المدينة نفسها، وأبرز الفصائل العاملة في المدينة هي " كتائب الصفوة الإسلامية، لواء المعتصم، الجبهة الشامية " بالإضافة لفصائل أخرى . U-tKX3cqW6Q لماذا يولي التنظيم كل هذه الأهمية لدخول مارع ؟ لا يمكن أن ينسى متابع ما قاله أحد قياديي التنظيم منذ مدة في تسجيل مصور، أو ما يسمى إصداراً مرئياً كما درجت العادة لدى التنظيم الإرهابي، حيث كان يردد بأعلى صوته، مارع قبل القدس، مارع قبل روما، مارع عاصمة الصحوات، وذلك إبان سيطرة التنظيم وتمدده إلى محيط المدينة ودخوله قرى وبلدات تلالين وحربل وأم حوش منتصف العام المنصرم . بطبيعة الحال، لدى مارع مسقط رأس عبدالقادر الصالح، قائد لواء التوحيد، ومعقل مهم في الثورة السورية في الشمال الحلبي مكانة مرموقة، وهي تشكل قيمة رمزية يعرف التنظيم أنه من المهم القضاء عليها، وهو في سبيل ذلك يدفع بكل طاقته للسيطرة عليها ودخولها وتحقيق نصره المزعوم والذي حشد ولا يزال منذ بداية العام 2015 . كما تتمتع مارع بخزان بشري كبير يمد الفصائل المقاتلة في الشمال بمقاتلين أشداء، ولديهم تمرس عالي في الحرب، وتتصدر المدينة كل المدن والبلدات في الشمال من حيث عدد المقاتلين، وحجم العتاد المتوفر، حيث يزيد عدد مقاتلي المدينة عن ألفي مقاتل، ويمتلكون أسلحة متنوعة، بينها ثقيلة ومتوسطة، ودبابات . ويتوزع مقاتلو المدينة بين ثلاثة فصائل، كانت هي منشأهم قبل أن يتمددوا في كامل المحافظة، الجبهة الشامية التي هي الوريث الشرعي للواء الوحيد، وكتائب الصفوة الإسلامية، ولواء المعتصم، وتجمعهم بطبيعة الحال مظلة واحدة هي المجلس العسكري التي انبثقت منه غرفة عمليات مارع التي تدير العمليات العسكرية بشكل منظم . وعرف عن مارع أنها لم تكن يوماً حاضنة لأي كتائب أو فصائل إسلامية، كجبهة النصرة، أو غيرها، كما أنها كانت طاردة لتنظيم الدولة الإسلامية منذ بدء ظهوره بشكل تبشيري دعوي، ولم تسمح المدينة بإقامة مقرات عسكرية للتنظيم أو ما شابه، على خلاف المدن والبلدات الأخرى في الشمال الحلبي، كما أنها من أقل المدن والبلدات التي التحق أبنائها بالتنظيم بداية ظهوره وإلى الآن، وعمل مقاتلو الفصائل بشكل جدي على تطهير المدينة من كل الخلايا التابعة للتنظيم . ومما سبق لا يمكن لتنظيم الدولة الإسلامية إغفال هذا الوزن الذي تتمتع به المدينة، عسكرياً ومعنوياً، فهو يعي تماماً أن بمجرد سيطرته على المدينة سيتمكن من التمدد حتى معبر باب السلامة وبذلك يقضي على كامل البقعة الجغرافية المتبقية للجيش السوري الحر الذي وقع بين فكي كماشة، منذ الأول من شباط المنصرم بعد أن تقدمت قوات سوريا الديموقراطية وسيطرت على مدينة تل رفعت ذات الثقل الثوري المهم أيضاً، وعدد كبير من القرى والبلدات ومن بين المواقع مطار منغ العسكري . محاولات التنظيم الفاشلة لدخول المدينة لعل المحاولة الأولى للتنظيم في التمدد والسيطرة على مارع كانت منذ منتصف آب عام 2014 ، بعد أن حقق التنظيم تقدماً كبيراً في ريف حلب الشمالي وبشكل متسارع بعد سيطرته على بلدة أخترين، ومن ثم أرشاف وتركمان بارح وإحتيملات ودابق وتل مالد وعشرات البلدات الواقعة إلى الشرق منها، حيث كانت المحطة الأخيرة التي لاقى فيها التنظيم مقاومة هي مارع والتي توقف على مشارفها من الجهة الشرقية لأكثر من عام . وفي الأول من شباط في العام 2015 كان المحاولة الثانية للتنظيم بدخول المدينة، حيث شن عملية عسكرية واسعة من عدة محاور، من الشرق والجنوب الشرقي، وفشل حينها وتكبدت قواته خسائر كبيرة، وكانت عمليه حينها كتعويض على لخسارته المدوية التي مني بها في عين العرب " كوباني " شمال شرق حلب في قتاله للميليشيات الكردية . وفي اليوم التاسع من أبريل/ نيسان، عام 2015 ، تمكن التنظيم من اغتيال أبرز قيادات المدينة، في عملية انتحارية ضربت مقر العمليات في المدينة، عبر سيارة مفخخة دخلت بكل سهولة وبسبب الفلتان الأمني إلى أهم النقاط العسكرية، وتم تفجيرها بينما كان القادة يصلون المغرب، وقتل حينها " يحيى حافظ " أبو مريم القيادي في كتائب الصفوة الإسلامية، وحازم الصالح أحد أبرز القادات وقريب عبدالقادر الصالح، وقتل الإعلامي أبو يزن الحلبي الذي كان في المكان المستهدف نفسه . وتلا العملية الأمنية التي أودت بحياة قيادا بارزة في الجيش السوري الحر في مارع، وعلى مدى الشهرين التاليين، عمليات انغماسية مشابهة، استهدفت عدد من المقرات العسكرية والقيادات في المدينة ونجحت في قتل أكثر من خمسين من عناصر الجيش السوري الحر حينها، وبينهم قادة بارزون من مختلف الفصائل . وكانت تلك العمليات الأمنية، والاغتيالات التي نفذها التنظيم بالتنسيق مع خلايا أمنية كانت تنتشر في مارع ومحيطها، ما دعا الفصائل للتنبه للأمر ومن ثم شنوا جميعاً عملية تطهير شملت الريف الشمالي بالأكمل، وأعتقل على إثرها العشرات من المنتمين أو المتعاملين مع التنظيم . وفي شهر آب، من العام 2015 كان الهجوم الثالث والرابع للتنظيم بهدف السيطرة على المدينة، وكان الهجومان من أعنف الهجمات، استخدم خلالها التنظيم في الهجوم الأول الغازات السامة، غاز الخردل والكلور، المملة بقذائف المدفعية والفوزليكا، والتي استهدفت المدينة بأكثر من خمسين قذيفة على مدى يومين ما تسبب بمقتل طفلة وتسجيل حالات اختناق في صفوف المدنيين والعسكريين على حد سواء . http://s31.postimg.org/lpfbp967v/image.png ودخل التنظيم فعلياً القرى والبلدات القريبة من مارع في الشمال، تلالين، والجنوب، حربل، وتمدد نحو صندف بالتزامن مع محاولاته بتطويق وحصار المدينة التي استعصت عليه بسبب المقاومة العنيفة التي أبداها مقاتلو الجيش السوري الحر، والخسائر الكبيرة التي مني بها على يدهم إبان العمليتين الفاشلتين في آب 2015، حينها قتل أكثر من 150 عنصراً للتنظيم وأسر آخرين ودمر الثوار أكثر من خمس آليات بينها مدرعات . وأتى الهجوم العنيف على المدينة  بعد تقدم التنظيم بشكل متسارع في ريف حلب الشمالي، وسيطرته على عدد من المواقع المهمة خلال الأسبوعين السابقين لمحاولة دخول المدينة بشكل جدي،  وسيطر حينها التنظيم على أم حوش والوحشية وتلالين، ليقترب أكثر من حصار مدينة مارع، بعدما طوقها من ثلاث جهات؛ شمالاً من بلدة تلالين وجنوباً من بلدة أم حوش، وشرقاً حيث تعتبر جبهته رأس الحربة التي يدفع من خلالها مقاتليه في كل الاتجاهات.  لم يكن استهداف تنظيم "الدولة الإسلامية" لمارع مجرد صدفة، وإنما جاء على خلفية ملاحقة الجيش الحر للخلايا العاملة لصالح التنظيم في المدينة وفي الريف الشمالي بشكل عام. حتى أولئك المتعاطفين مع التنظيم، تم اعتقالهم مؤخراً، وبحوزتهم أسلحة وألغام، ومبالغ مالية طائلة كان التنظيم يغدقها عليهم، نظراً للخدمات الكبيرة التي قدموها له على مدى الفترة الماضية، خدمات تزامنت مع معارك التنظيم العنيفة ضد الثوار على جميع المحاور؛ من الحدود التركية شمالاً وحتى كلية المشاة جنوباً " كلية العقيد يوسف الجادر" أبو الفرات والتي سيطر عليها أيضاً منتصف العام الماضي . وتمكن التنظيم على أيدي عملائه المنتشرين بكثافة في حلب وريفها،  من قتل 100 من مقاتلي الجيش الحر على الأقل، بينهم قادة بارزين، وكان يعوّل على مساعدتهم بشكل كبير في دخول المدن الكبرى بريف حلب الشمالي. وعندما ألقى الثوار القبض على 90 بالمئة منهم، بدأ التنظيم بالانتقام، من خلال رفع وتيرة القصف بالأسلحة الثقيلة، وربما كان الأخطر على الإطلاق هو إدخاله السلاح الكيماوي في معادلة توازن القوى. http://s31.postimg.org/vo0abqfnf/image.png المتحدث الرسمي باسم الجبهة الشامية، العقيد محمد الأحمد، أكد لـ"أورينت نت " أن تنظيم الدولة الٍإسلامية لا يوفر أي جهد لكي يتمدد في الشمال الحلبي، ويقضى على ما تبقى للمعارضة من مناطق، وهو في سعيه هذا يعرف أنه إن سيطر على مارع ستكون المهمة سهلة في باقي البلدات، باعتبارها معقل مهم للجيش السوري الحر، وفيها أعداد جيدة من المقاتلين الذين يتوزعون على كامل جبهات القتال في حال الهجوم كما يحدث في شمال صوران بالقرب من الحدود السورية التركية. وأوضح العقيد الأحمد، أن التنظيم يفشل في كل مرة باقتحام المدينة لعدة أسباب أبرزها أن من يدافع عن المدينة هم أبنائها أنفسهم، والذين ينتمون لعدة فصائل، وهم يدافعون عن مدينتهم بعقيدة سليمة، ويضحون من أجلها مهما كان الثمن، ولذلك يتقهقر التنظيم في كل مرة على مشارفها برغم كل الإمكانات والحشود العسكرية التي يحشدها من أجل دخولها . وأضاف العقيد الأحمد أن التنظيم لن يكف عن محاولاته، فهو يعي تماماً ، أن الفصائل تعاني من كثرة الأعداء في الشمال، وقد باتوا في مثلث يحده من الأطراف الثلاثة قوى معادية، تبغي التقدم على حسابها، قوات الأسد والميليشيات في الجنوب، وقوات سوريا الديموقراطية في الغرب، والتنظيم شرقاً . ولذلك يعتبر التنظيم أنها فرصته الذهبية لينقض على ما تبقى، ويفشل أي هجمات معاكسة ويبدي مقاومة شرسة كما يبدو ذلك فعلاً في الشمال حيث وصلت الفصائل إلى الراعي ومن ثم انحسرت .