الشام من الدولة المتوحشة إلى العالم المتوحش

تاريخ النشر: 2017-03-18 10:28
قرأت كتاب "ميشيل سورا" الذي كُتب بالأصل للعالم الغربي ومؤسسات بحثه قبل ثلاثة عقود تقريباً عن الدولة المتوحشة الأسدية، ولكن للأسف حين سألت الدكتور برهان غليون الذي قدم الكتاب وعرف الكاتب حين التقيته أخيراً في باريس وكان صديقاً لسورا عن حجم الاستفادة التي استفادها الغرب ومؤسسات بحثه من الكتاب في تشكيل رأيهم وموقفهم من دولة الأسد الأب المقبور والابن القاصر رد علي بسرعة وبدون تلعثم وكأنه يستعد لهذا السؤال، وربما خلت بعدها أنه فكر بمثل هذا السؤال مراراً وتكراراً فقال الفائدة صفر..

كتاب "ميشيل سورا" الذي جُمع أخيراً من دراسات معمقة متناثرة كتبها ضد الأسد المقبور أيام الثمانينيات كان بعض هذه المقالات ممهوراً بغير اسمه فهو يعرف كلفة الوحشية الأسدية، ولكن كيساري وغربي ومقيم مع حزب الله يومها وضد الصهيونية كلها عوامل ظنها محصنات له من الخطف والقتل، ولكن خاب ظنه وصدق ظن عنوان كتابه الدولة المتوحشة، فاختطف عام 1985 وقتلته واجهة حزب الله جماعة الجهاد الإسلامي يومها، ولكن القاتل الحقيقي الخفي هو نظام الأسد المقبور الذي لم يوفر قبلها ولا يومها ولا بعدها أصدقاءه قبل خصومه من محمد عمران وصلاح جديد وصلاح الدين البيطار وبنان الطنطاوي ونزار الصباغ والعشرات من المعارضين استهدفهم بدم بارد خارج سوريا دون أن يرفّ للعالم جفن، ولكن يتحرك كالقطعان المتوحشة حين سماع كلمة إرهابي تلوكه ألسنته أو ألسنة العصابات الطائفية ، بينما يتعاون مع إرهاب الدول المتوحشة..

وُجدت جثة "ميشيل سوا" في قبو من أقبية الضاحية الجنوبية معقل حزب الله عام 2005 بعد عقدين على تصفيته، لم يحتفل به أحد،  تماماً كما لم تحتفل به بلده فرنسا ولم تتحدث عنه مؤسسات البحث الفرنسية أو الغربية التي انشق عنها حقاً وحقيقية في كتابه العظيم هذا حين أعلن بصريح العبارة أن مناهج البحث العادية لا يمكن أن تحلل العصابة الطائفية في الشام، ولذا لا بد من العودة إلى بدايات الحسن الصباح والحشاشيين أرومة هذه العصابة الطائفية لتفهم أساليبهم وتكتيكاتهم، وهو ما فعله، ولذا فإن كتاب مثل ميشيل سورا هو انقلاب حقيقي على مراكز البحث الغربية المتكلسة في تطبيقات بحثية من ثورة الريف على المدن، وثورة الفلاح على المتمدنيين وووو، والتي نقدها نقداً رائعاً في كتابه و أظهر كذب ذلك فحزب البعث لم يستطع اختراق دمشق وظلت عصية عنه وعن عصاباته الطائفية ...

الكتاب وثيقة تاريخية لا تدين عصابة الأسد فحسب، وإنما تدين العالم كله يومها، وتدين معه مراكز الأبحاث الغربية التي روجت لإسطوانة مشروخة عن العصابة الطائفية وسكتت وصمتت عن كل جرائمها التي لا تعادلها جرائم ارتكبت خلال العقود الماضية إن كان بحق الشعب الشامي أو بحق الشعوب المجاورة من لبنانية وأردنية وفلسطينية وعراقية وتركية وووو...

لم تجرؤ دار نشر عربية طوال تلك الفترة المظلمة من تاريخ الشام أن تقترب من الكتاب ونشره وإلا فإن مصيرها  قد يكون كمصير الكاتب أو كمصير سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث الذي قتل وتم تذويب يده بالأسيد جزاءاً لما كان يكتبه على عصابة الأسد الطائفية، ولذا فالشكر كل الشكر  للشبكة العربية للأبحاث والنشر في طباعة ونشر هذا الكتاب القيم الرائع عن مرحلة لا تعادلها مرحلة هيجان المغول والتتار على الشام، لاسيما إن تم إضافة أدبيات سجن تدمر الرهيب، إذ كنت أقرأ خلال هذه الفترة الكتاب المميز للدكتور براء السراج الذي أمضى أحد عشر سنة في سجن تدمر الرهيب فوصف حولياته بشكل دقيق يبكي الحجر قبل البشر، ولكنه عالم قُدّ من أكثر من الصخر فإن من الحجر ما يتدفق منه الأنهار...

اليوم ما تعيشه الشام هو مرحلة  العالم المتوحش فقد انتهت الدولة المتوحشة وسقطت تحت أقدام ثوار الشام، ولذا نرى القوى الغربية والشرقية، ونرى الجرائم الروسية والأميركية تتقازم أمامها جرائم الدولة المتوحشة من قصف للمشافي إلى قصف للأسواق والمساجد وبكل صفاقة ووقاحة، فهذا هو العالم الذي نعيشه عالم متوحش، وليس دولة متوحشة فقط، ولم يعد التوحش حصراَ وحكراً على عصابة الأسد وإنما تم عولمته وتدويله.. 

لك الله يا شآم ... وهمسة أخيرة وهي  التي أباح بها سورا في كتابه حين قال لقد نجح الإخوان المسلمون في سوريا بكسر حاجز الصمت ضد الأسد، ولكن عبء إسقاطه كان أكبر منهم، فهل عبء إسقاطه اليوم أكبر من الشعب السوري ومن الدول الصديقة التي وقفت معه؟!، ولكن الله بالغ أمره ولن تُغلب الشام بإذن الله في ظل هذه اليقظة الشامية غير المسبوقة..

كلمات مفتاحية