تباين الموقف التركي والايراني من القصف الأمريكي للأسد

تاريخ النشر: 2017-04-12 15:12
كان طبيعياً أن تختلف وجهات النظر التركية والإيرانية حول الضربة الأمريكية لقاعدة الشعيرات الجوية جنوب حمص السورية يوم الجمعة 7 نيسان الجاري، فالتباين الأول هو اختلاف النظرة على من تم توجيه الضربة إليه، فالسياسة التركية ترى ان الضربة هي لإضعاف بشار الأسد وداعميه من الإيرانيين والروس وغيرهم، وتزامنها بعد ضرب الأسد وروسيا لخان شيخون بالأسلحة الكيماوية، وترى أنقرة بأن الضربة الأمريكية ضرورية، وإن تأخرت ولكن لا بد منها، بل لا ينبغي الوقوف عندها أيضاً، بينما الموقف الإيراني الذي أعلن عنه رأس النظام الإيراني خامنئي هو رفض الضربة واعتبارها انتهاكا للقانون الدولي، ويتجاهل خامنئي انها جاءت في اعقاب القصف الكيماوي لسكان خان شيخون قبل الضربة بثلاثة أيام، بل يطالب بعض المسؤولين الايرانيين إجراء تحقيق لمعرفة مجرم الكيماوي، وكأن بشار لم يقتل إلا هؤلاء المئة بالأسلحة الكيماوية ويتجاهلون ان هناك نحو مليون سوري قتلتهم المليشيات الأسدية وميليشيات حزب الله اللبناني وميليشيات الحرس الثوري الايراني وتوابعهم العراقية والأفغانية وغيرها، أي أن دفاعهم عن بشار الأسد أشد عاراً وخزياً من القصف نفسه، وهذا ما دفع الشعب الإيراني في الأيام الماضية للخروج في مظاهرات في الشوارع الايرانية تطالب نظام الملالي بالخروج من سوريا.

هذا من حيث النظرة للحدث بمعزل عن تبعاته السياسية والعسكرية واهدافه، فمن حيث الأهداف فإن السياسة التركية ترى أن هذه الضربة الأمريكية ليست كافية وحدها لمعاقبة الأسد على قتله للشعب بالكيماوي وغيره، ولا لجني الثمار التي تعلن عنها أمريكا للخروج من الأزمة السورية، وفي مقدمتها ضرورة إسقاط بشار الأسد كما يقول وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون في أعقاب مؤتمر الدول السبع، فإذا كان هناك جدية أمريكية ودولية لإيجاد حل انقاذ للشعب السوري فلا بد من إنهاء حكم أسرة الأسد، وإلا فإن كل أسباب الأوضاع القائمة تبقى قائمة مع بقاء بشار الأسد، فقضية إسقاط الأسد بالنسية للرؤية التركية ليست شخصية، وإنما ضرورة لإنقاذ الشعب السوري وإنهاء الحرب في سوريا، وهذا موقف عرضته تركيا من قبل على المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين والروس وغيرهم، ولكنها لم تجد استجابة حتى الآن، وخطأ البعض في ذلك ظنهم ان المسألة من تركيا شخصية نحو الأسد، أو هو اتخاذ قرار بالنيابة عن الشعب السوري، فيدعي كل من يستفيد من بقاء الأسد بالسلطة لتحقيق مصالحه مثل إيران وروسيا أن قرار تغيير الأسد هو بيد الشعب السوري، وكانهم لا يرون ان نصف الشعب السوري مشرد خارج أرضه وبلاده، والباقي تحت حكم الاستبداد والقتال، وكأنهم لا يعلمون ان الشعب السوري لم يتخذ قرار وراثة الأسد من أبيه في النظام الجمهوري!

فادعاء أن الشعب السوري هو من يقرر مستقبل الأسد هو هروب من تحمل المسؤولية الدولية والقانونية والاخلاقية، ولذلك تراجع الرئيس الأمريكي ترامب عن هذه المقولة خلال أيام، لأنه أدرك ان هناك رئيسا يدعى تمثيل سوريا وهو يقتل شعبه بالأسلحة الكيماوية، وعندما عاقبته أمريكا على قتل الشعب السوري بالأسلحة الكيماوية أخذ يقصف شعبه بالقنابل العنقودية والنابالم، ومن قبلها بالبراميل المتفجرة والحارقة وصواريخ سكود الروسية، بينما كانت روسيا أكثر منه إجراما بقصفها الشعب السوري بالصواريخ العابرة للقارات، والغريب أن مرشد الجمهورية الاسلامية خامنئي لا يجد في ذلك غضاضة، ولا يجد في ذلك انتهاكا للقانون الدولي ولا انتهاكا للشريعة الاسلامية، ولا اهانة للدولة الإيرانية التي أتت بروسيا لتساعدها في تثبيت رئيس قاتل ظالم أولاً، وإذا بها تساعده على قتل شعبه بالأسلحة الكيماوية وتدافع عنه.

إن من الإسراف الإيراني والروسي أن تهددا برد عسكري ضد أمريكا إذا عاقب بشار على استخدامه الأسلحة الكيماوية، فأمريكا لا تهدد بقصف جيش بشار الأسد إلا إذا استخدم الأسلحة الكيماوية فقط، وروسيا تهدد بالرد عليها، أي أن روسيا تدافع عن استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، وليس لذلك إلا تفسير واحد وهو ان قرار استخدام بشار للسلاح الكيماوي جاء بالتنسيق والتعاون مع روسيا وحمايتها له في مجلس الأمن، بل وتهديد أمريكا بالرد، وهو ما خلص إليه تقرير أمريكي، ونضيف القول بأنه من الممكن أن يكون الأسد قد أخذ الفتوى باستخدام الكيماوي من مفتي سوريا أو إيران، ولو بطريقة سرية، لأن استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية ينبغي أن يسبقه تحذير للميليشيات الإيرانية وميليشيات حزب الله اللبناني بعدم الاقتراب من الأماكن التي يتم قصفها بالكيماوي، وبالتالي فإن علمهم بذلك وسكوتهم عليه يعنى عدم الممانعة إن لم يكن موافقة صريحة، بل لا يستبعد ان يكون حزب الله اللبناني نفسه قد اقتنى السلاح الكيماوي بعد الاتفاقية الأخيرة بين أمريكا وروسيا بتدمير الترسانة الكيماوية عند بشار الأسد بعد آب/أغسطس عام 2013، بالرغم من كل محاولات إسرائيل مراقبة ذلك، سواء اقتناها حزب الله اللبناني لاستخدامها ضد معارضيه أو غيرهم، فمن استخدم السلاح الكيماوي في سوريا لا يستحيل عليه استخدامه في لبنان او غيره.

لا تنطلق تركيا بتأكيد الاتهام الأمريكي لبشار الأسد باستخدام السلاح الكيماوي بل أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنّ بلاده لديها تسجيلات رادار تُظهر المقاتلات التي قامت بقصف بلدة خان شيخون بريف محافظة إدلب السورية، بالأسلحة الكيميائية، وقال أردوغان :"إنّ تصريحات بعض الجهات حول انبعاث الغازات الكيميائية من مواقع المعارضة التي استهدفتها مقاتلات النظام السوري ببلدة خان شيخون، عارية عن الصحة تماماً"، بل ورفض محاولات تحريف مسألة استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية بمثل هذه الادعاءات، وهو يقصد تصريحات روسيا وإيران ومحورها، وقال :"إنّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) أيضاً يمتلك تسجيلات رادار تُظهر المقاتلات التي قامت بقصف خان شيخون".

إن الموقف التركي واضح وصريح برفض استخدام الأسلحة الكيماوية، ولذلك طالبت تركيا روسيا بوقف دعمها لبشار الأسد، ولذلك فإن ادعاء بوتين أن واشنطن تخطط لضربات لاحقة بنفس حجة الأسلحة الكيماوية هو تفكير مضحك، فأمريكا لديها كافة الأدلة على أن بشار الأسد وداعميه من الإيرانيين ومن الروس أنفسهم يقتلون الشعب السوري كل يوم بأفتك الأسلحة المحرمة دوليا والاسلحة التقليدية، وأي فرق ان يقتل الأسد مائة سوري بالأسلحة الكيماوية أو ان يقتل مئات الآلاف منهم بالأسلحة التقليدية أو المحرمة دولياً، فالمذابح البشرية والمجازر وتهجير الشعب من مدنه وقراه ضمن اتفاقيات إهانة للشعب السوري وترعاها روسيا والأمم المتحدة اكثر مسؤولية.

إن الموقف الغريب في الموقف الإيراني هو اعتبار خامنئي أن الضربة الأمريكية خطئا استراتيجياً من أمريكا بقصفها الأسد، وبالنظر إلى اعتبار أمريكا بالشيطان الأكبر من وجهة نظر إيرانية فإن قصفها لبشار الأسد على استخدامه للسلاح الكيماوي لا يعتبر خطئاً استراتيجياً بل مكسباً استراتيجياً لإيران، ولكن خامنئي لا يبحث عن أخطاء امريكا وإنما يتخوف نتائجها ضربتها على إضعاف سلطة الأسد وقرب زوال جبروته في سوريا، فما هو المبرر لبقاء إيران في سوريا بعد زوال حكم أسرة الأسد، والغرابة أن خامنئي يقول بان بلاده لن تتراجع أمام التهديدات الأمريكية، فلماذا لا تتراجع عن قتل الشعب السوري وهي ترى العالم كله يندد بهذا القتل، وحتى الشعب الإيراني هو امام انفجار داخلي ضد سلوك نظام خامنئي وحرسه الثوري!.

أما تهديدات إيران وروسيا بالرد على أي هجوم امريكي قادم فينبغي حمله على نوع التفاهمات بين روسيا وأمريكا من جهة، وبين إيران وأمريكا من جهة أخرى، فروسيا وإيران لا تجرؤان على الدخول في حرب مع أمريكا، فلماذا التهديدات إذن؟ ففي أحداث التهديد بالضربة الأمريكية اغسطس 2013 سارعت روسيا للهرب من سوريا قبل الضربة الأمريكية، ولكنها الآن خرجت من القاعدة الجوية بالشعيرات قبل الصربة الأمريكية فقط، علما بان خبراء الأسد وروسيا الكيماويون كانوا في القاعدة قبل ضربها، أي ان أمريكا تمارس ضغطا إعلاميا وسياسيا ونفسيا على روسيا كما تمارسه على الأسد، ولذلك سعى بوتين لتنسيق جهوده مع إيران، لأنه في اللحظات الجدية لن يجرؤ بوتين على ضرب امريكا وسوف يسند الضربة التي قد توجه لأمريكا لإيران، وهو ما تحاول أمريكا تجنبه، بسبب وجود عشرة آلاف جندي امريكا موزعين بين العراق وسوريا، قد تجرؤ بعض المليشيات الإيرانية تحمل مسؤولية مهاجمتها للجنود الأمريكيين وحدهم، ولذلك أدخلت إيران وروسيا في تحالفهما العسكري جماعات مسلحة غير منضبطة، وهي بالتأكيد تابعة للحرس الثوري الإيراني مثل حزب الله اللبناني وامثاله من العراقيين والسوريين.

إن إصدار البيت الأبيض بيانا خاصا بأحداث خان شيخون يحمل نظام بشار الأسد المسؤولية كاملة على الهجوم الكيماوي يعني أن امريكا ترغب بحصر معركتها العسكرية مع بشار الأسد فقط، وعلى الأراضي السورية أيضاً، وبالتالي فإنها تحرج بوتين وخامنئي امام شعوبهما وامام المجتمع الدولي بان دفاعهما عن بشار الأسد عمل غير قانوني وليس العكس، فبوتين لا يجد تأييدا شعبيا لحربه في سوريا إلا بادعاء محارب الارهاب، وكذلك خامنئي فهو يدعي مقاتلة التكفيريين، فالأول يخدع شعبه أمنياً، والثاني يخدع شعبه طائفياً وأيديولوجياً، والضحية هم الشعب السوري الأعزل، فما يملكه من أسلحة لا تقارن بما تملكه روسيا ولا ما تملكه إيران، ومع ذلك لا يستطيعون التخلي عن الأسلحة الكيماوية، لأن هدفها بث الرعب في قلوب الشعب السوري لترك مناطق معينة تسعى إيران وروسيا لطرد اهلها منها واستقدام سكان آخرين فيها، لأسباب طائفية واضحة.

إن روسيا ارتكبت في سوريا أخطاءاً استراتيجية ومنها أنها لم تخف موقفها برفضها أن يحكم سوريا رئيس سوري سني، وهو امر ليس من حق روسيا التدخل فيه، ولكنها أي روسيا أصبحت اليوم ضحية ابتزاز ايراني، بأنها القوة العسكرية الميدانية والبرية الوحيدة التي تستطيع مساعدة روسيا بالسيطرة على سوريا، وهذا يرجح أن من اهداف الضربات العسكرية الأمريكية على سوريا إبعاد روسيا عن إيران، وإحداث شرخ أكبر بينهما، لأن روسيا لن تقاتل في سوريا إلا بالجندي الإيراني فقط، وهو ما يحمل خامنئي مسؤولية أكبر أمام الشعب الإيراني المتذمر والقابل للانفجار في أية لحظة، بسبب عدم قناعته بتدخل دولته في الحرب السورية، ودعمها لبشار الأسد بعد استخدام السلاح الكيماوي، أي أن إيران تراهن على مساعدة روسيا لها بالدفاع عن الأسد، وروسيا تراهن على المليشيات الإيرانية للدفاع عنها، بينما تراهن تركيا على صبر الشعب السوري وشجاعته بالدفاع عن بلاده، كما تراهن تركيا على عدالة قضية الشعب السوري، وضرورة وقوف المجتمع الدولي والدول الكبرى إلى جانبه.

كلمات مفتاحية