البازار الأخير

تاريخ النشر: 2017-04-14 10:21
من منا قد يصدق بأن الرئيس دونالد ترامب ، قد يذهب إلى نزاع عسكري مع الروس حول سوريا فهو يمتلك ذاكرة سمكة، فالرجل كان قد صرح ويصرح وسيصرح مستقبلاً بأنه لا يهتم إلا بتعزيز القدرة المالية للولايات المتحدة الأميركية دون الاهتمام من أين تأتي تلك المليارات، الرجل يمتلك ذهنية رجل أعمال من الدرجة الأولى، وهو يريد أن يدير الولايات المتحدة كمن يدير شركة عابرة للحدود، وتلك الشركة كما يراها الآن على حافة الإفلاس و متخمة بالبطالة والقرارات السيئة، وهو يدرك بأن دور الولايات المتحدة الذي يراه حالياً هو ( الجابي العالمي) وهو يدرك بأن الجميع يريد من واشنطن ما يتملكه وهو القوة، وسيمنحه لمن يريده ،ولكن بمقابل كبير .

ومن هنا فالبازار المنعقد حالياً حول سوريا ترتفع فيه أصوات المضاربين بقوة، خصوصاً بعد الضربة الأميركية لمطار الشعيرات حينما ارتفع سقف المراهنات والمزايدات حول رأس النظام وبقائه، ولكن رجل كـ"ريكس تيلريسون" وهو المدير السابق لشركة ايكسون العابرة للحدود والصديق السابق للرئيس الروسي ، يدرك تماماً ما يفعله في موسكو من حيث الوضوح في الرؤية وتحديد الهدف، فالصفقة واضحة، إما التخلي عن النظام السوري أو تقديم التنازلات للمصالح الأميركية، ولما كانت روسيا تقاد بواسطة مافيا من رجال الأعمال الذين يقودهم ميدفيديف ومن قبله وبعده الرئيس بوتين، فهم هناك في موسكو يفهمون تماماً ما جاء تيلرسون لقوله، وهو ما عبر عنه بوضوح في مؤتمره الصحفي مع سيرغي لافروف، حينما قال بأن العلاقات مع روسيا في أدنى مستوياتها، ويجب على الروس أن يفهموا بأنهم يخسرون بدعمهم للدكتاتور .

طاولة المقايضة فتحت والبازار مفتوح والعروض تنهال على صاحب البيت الأبيض من قبل دول عربية كبيرة و من قبل دول إقليمية و أوروبية، الجميع يساند ترامب الذي ارتفعت شعبيته بشكل كبير في العالم و حتى في الولايات المتحدة نفسها بعد الضربة على المطار العسكري في الشعيرات، ويبدو أن ترامب الذي يتلمس خطواته في السياسة العالمية ومتاهاتها، بدأ بتلمس طعم الشعبوية من جديد بعد شهور طويلة من الخيبة التي أصابته بعد فشله بإقناع المكسيك ببناء الجدار الذي سيعزلها عن العالم ، وفشله في تطبيق قانونه الشهير بحظر سفر ست دول مسلمة وفشله حتى الآن في تقويض ما عرف بأوباما كير ، ولكنه اليوم وفي عز الإحباط الدولي لإيجاد حل عسكري أو سياسي أو توافقي في  الملف السوري ، قلب الطاولة على الجميع و بادر إلى فرض شروط جديدة ل اللعبة \\البازار ، بينما دماء الأبرياء السوريين تتدفق بفعل البراميل والغارات و النابالم والفوسفور، يقف ترامب ليطلب بوضوح من الشركة الروسية التي تدير روسيا الاتحادية بأن تتخلى عن مربعات استحلتها لسنوات ست، وبهدوء الواثق يدرك بأن الصفقة ستتم ،وبأنه مهما كانت إجابة الروس فإنه سيكسب، فالملف مكتمل والعالم ينتظر، والشعبوية تلوح له من بعيد كي تحتضنه من جديد ، وهذه المرة هي شعبوية على مستوى العالم ، العالم الذي بقي يتفرج على السوريين وهم يقتلون و يذبحون ويهجرون و يذلون في سبيل تعنت روسي فج ، بات اليوم أقرب إلى تبني وقبول صفقة بحجم بلد ، ومزاد علني بحجم شعب ،يدير هذا المزاد رجل أعمال متمرس ، يتحكم بقوة تستطيع تدمير الكوكب مئات المرات في ساعات .

قد يكون كل هذا مؤلماً وقد يدفع الشعب السوري من جديد فاتورة طموحات ترامب، ولكن المسؤول يبقى في الدرجة الأولى عن كل ما يحصل هو نظام قتل شعبه، وهجر مواطنيه، وقبل أن يتآمر عليهم في سبيل توازنات الكرسي، ويبقى أن الروس لن يهزوا إمبراطوريتهم من أجل أحد بينما تشتعل المظاهرات كل أسبوع على ضفاف الفولغا والموسكوفا ،الروس يودون البيع ،ولكنهم بلغة السوق يرغبون في تعويض أصولهم التي أنفقوها في مغامرة خاسرة تسمى الحفاظ على حلف المقاومة الكاذب في سوريا ،والإنذار الذي أطلقته ليل الأربعاء نيكي هايلي في مجلس الأمن  حول إنهاء القتل في سوريا سيتردد في الأيام المقبلة طويلاً قبل أن يدرك الروس أنهم وضعوا في خانة اليك كما تسمى في لعبة الشطرنج ، حيث إن أي حركة سيقومون بها هي حركة خاسرة ، وفي المقابل إن أي حركة سيقوم بها الروس أيضاً ستجعل الأميركيين يربحون ،ويبقى ما يعنينا كشعب سوري وما يهمنا جميعاً هو أن الشاه مات ،وانتهى .وأن لعبة جديدة وحياة جديدة ومستقبل جديد بانتظارنا جميعاً .           

كلمات مفتاحية