تطابقت  نتائج الاستفتاء الدستورى فى تركيا مع معظم استطلاعات الرأي التي أشارت إلى أرجحية نسبية لمؤيدي التعديلات، مع إبقاء باب المفاجأة مفتوح ولو على نحو ضيق، سواء بارتفاع حجم التاييد إلى 55 بالمئة أو بهبوطه تحت حاجز الـ50 بالمائة، وهي النسبة اللازمة كي تنال التعديلات الصفة القانونية الديمقراطية الملزمة.  مر يوم الاستفتاء بهدوء وكان بالتاكيد يوماً ديموقراطىاً بامتياز حيث سارت عملية التصويت بدون مشاكل وفى ظل أجواء مؤاتية على كل المستويات السياسية الإعلامية والاجتماعية. عموماً حول اليوم الديمقراطي الطويل والنتائج التى تمخض عنها خلفياتها ودلالاتها يمكن تسجيل الملاحظات الأساسية التالية: -عملية الاستفتاء مرت اذن بهدوء وجوّ سلمي وديموقراطي لم تحدث مشاكل أو حالات عنف، والاقتراع جرى تقريباً في أجواء مثالية مع بعض الثغرات والمشاكل الصغيرة المعتادة هنا وهناك، ولكن دون أن يؤثر ذلك على الجوهر حيث جرى التصويت بسلاسة وأجواء ديموقراطية مؤاتية وكالعادة مع نسبة مشاركة عالية لامست حدود 86 بالمائة وهى نسبة لافتة ذات دلالة  متكررة وليست استثنائية فى  تركيا وتكاد تتفرد بها قياسا حتى الى الدول الديموقراطية العريقة. -النتائج لم تكن مفاجئة ، لامست حدود الـ52 بالمائة، مثلما تحدثت معظم الاستطلاعات وهي نتيجة هشّة أو ضيقة، ولكنها كافية وديموقراطية بامتياز، ولا تشكك بأي حال من الأحوال في مرور التعديلات وتشريعها وفق الآليات الدستورية الديمقراطية المرعية كما لا يطعن أحد مثلاً فى نتيجة التصويت البريطاني المماثلة على الخروج من الاتحاد الأوروبي التى لم يشكك أي كان فى شرعيتها ولا حتى فى دستورية وديموقراطية وشرعية قرار الخروج. -النتيجة تعبر بالتاكيد عن حالة من عدم الرضى داخل حزب العدالة والتنمية  وبالتاكيد فان  شريحة معتبرة  من أنصار الحزب لم تصوّت بنَعم، كما أن أكثر من نصف مصوّتي حزب الحركة القومية اليمينى الداعم بدوره للتعديل الدستوري لم يصوّتوا بنَعم أيضاً، وللتوضيح وحسب، آخر انتخابات نيابية – تشرين ثاني/ نوفمبر 2015 - فإن مجموع مصوّتي حزبيّ العدالة والتنمية والحركة القومية يبلغ 62 بالمائة تقريباً، ما يعني أن ثمة فجوة واضحة أو 10 بالمئة منهم لم يصوتوا بنَعم، وربما  حتى أكثر من ذلك في ضوء النتيجة اللافتة في المناطق الكردية. -ضمن مصوّتي حزب العدالة والتنمية ثمة شريحة مؤيدة للرئيس السابق عبد الله غول والمؤسسين الأوائل المعتزلين - بولنت أرينتش ومحمد علي شاهين وآخرين - وحتى لرئيس الوزراء السابق أحمد داوود اوغلو وهذه الشريحة غير متحمّسة للتعديل الدستوري، وهي تعتقد أن البلد لا يحتاج إلى نظام رئاسي حيث أن غل ورفاقه المؤسسين مالوا دائماً الى  فكرة كتابة دستور جديد توافقى على أساس النظام البرلمانى الكامل ، كما أن شريحة معتبرة ايضاً رأت فى الحد الأدنى الوقت غير مناسب لإنجاز الأمر أى الانتقال للادارة الرئاسية للسلطة التنفيذية حتى لو كانت تؤيد الأمر من حيث المبدأ بسبب حالة الاستقطاب الداخلي والتحديات الكبرى التي تواجهها البلد. -للتوضيح اكثر فإن قرابة 44 بالمئة صوتوا للحزب فى الانتخابات المحلية الاخيرة-ربيع 2014- و50 بالمئة فى الانتخابات البرلمانية-خريف العام 2015- و ويمكن  الاستنتاج  هنا أن 44 بالمئة تقريباً وربما أقل صوتوا بنعم فى الاستفتاء الاخير بينما صوتت البقية بلا أو بورقة بيضاء أوحتى امتنعت عن التصويت.  - كما قلنا  سابقاً فإن نصف مؤيدي حزب الحركة القومية، وربما أكثر - قال زعيم الحزب دولت بهشلي أنهم 80 بالمائة -صوّتوا بلا بينما من الواقعى  اكثر الاستنتاج ان ثلثى مصوتى الحزب صوتوا بلا والثلث فقط قال نعم-قرابة ال4 بالمائة- وذلك يعود إلى رفض الحزب طوال السنوات الماضية لفكرة النظام الرئاسي، لعدم وجود فرصة أمامه للوصول للرئاسة كما للاحتفاظ بقوته في النظام البرلماني، وبالتالي  فان التنظير الدائم ضد الفكرة لسنوات ثم الموافقة عليها بشكل مفاجىء  ارتد سلباً على القواعد ويمكن أيضا إعادة الأمر إلى حالة  الانقسام الحاد، والخلافات داخل الحزب، حيث اعتبر البعض أن تأييد التعديلات الدستورية المفاجىء الخريف الماضي كان هروب إلى الأمام من قبل زعيم الحزب الحالي دولت بهشلى، للبقاء في منصبه إلى أبعد مدى زمني ممكن. -غير أن المفاجأة السارة لحزب العدالة والتنمية جاءت من مناطق الجنوب الشرقي ذات الأغلبية والكثافة الكردية، حيث صوّتت بنسبة تتراوح بين الثلاثين إلى الأربعين بالمائة لصالح التعديلات الدستورية،  تلاتة الى اربعة بالمائة من التصويت العام حتى أن مسقط رأس زعيم حزب الشعوب صوت بنعم في تحوّل لافت وموقف سياسي واضح ضد الحزب الشعوب ومشغليه فى حزب العمال الكردستاني، ولصالح الرئيس أردوغان مباشرة  وتشجيع له على المضي قدماً في عملية الإصلاحات، كما عملية السلام الداخلي في المناطق الكردية. - مناطق الغرب التركي والجنوب خاصة المدن الساحلية على ساحل البحر المتوسط، وهي تاريخياً مناطق محسوبة على المعارضة العلمانية الأتاتوركية، وحزب الشعب الجمهوري، تحديداً صوّتت بكثافة عالية ضد التعديلات في مدن مثل أزمير موغلا ومانيسا، وحتى أنطاليا، والتصويت يعبر بالتاكيد عن المزاج العام المعارض للتعديلات، كما عن أجواء الاستقطاب العامة في البلد. -ردود  الفعل الداخلية، جاءت بمعظمها هادئة وتصالحية، خاصة من قبل الرئيس أردوغان والحزب الحاكم، حتى أن رئيس الوزراء بن علي يلدريم تحدث عن فهم الرسالة من قبل الحزب ، والعمل على الملفات بدقة اكبر فى المرحلة القادمة ، ويجرى الحديث عن اعادة هيكلة للحزب بمجرد عودة الرئيس اردوغان الا انه لن يجرى عقد مؤتمر عام له الا كما هو مقرر العام القادم 2018 مع التاكيد أيضاً  بل التشديد على أنه لن تكون انتخابات عامة رئاسية أو برلمانية إلا وفق الأجندة المقررة فى خريف العام 2019 وذلك لتهدئة الخواطر وبث الاطمئنان سياسياً واقتصادياً أيضاً. حتى رد فعل المعارضة التي ورغم تشكيكها بالنتائج أو حديثها عن اللجوء إلى المحكمة الدستورية، وحتى المحكمة الأوروبية، إلا أن الردود عموماً ظلّت تحت السقف السلمي الديمقراطي المؤسساتي حيث لا دعوة  جدية للعنف أو اللجوء للشارع ، بينما تركز الحديث في اجتماع عالي المستوى لحزب الشعب الجهورى نهاية الاسبوع حول صياغة خطاب جديد للتوجه والتقرب عبره من الجمهور بعد النسبة الكبيرة التتى صوتت بلا. -أما حديث المعارضة عن الأوراق الانتخابية، وغياب الأختام في بعض اللجان، فهي قضية إجرائية تقنية بحتة، وحسمت فيها اللجنة الانتخابية العليا النزيهة والمحايدة، والتي أشرفت على العملية كما أشرفت قبل ذلك على العمليات الانتخابية السابقة، التي كانت أيضاً شفافة نزيهة وديمقراطية. عموماً فإن النتيجة حتى لو كانت ضيقة والفوز حتى لو كان هشّ، إلا أنه انتصار معنوي كبير للرئيس أردوغان وقراره، أو رغبته بالتحول التام للنظام و بالأحرى الادارة التنفيذية الرئاسية للنظام الجمهورى القائم ، والنتيجة على محدوديتها كافية لتمرير التعديلات ديمقراطياً ودستورياً وسياسياً، غير أنها أظهرت من جهة أخرى أن ثمة مشكلة جدية داخل حزب العدالة والتنمية، وثمة استقطاب سياسي وحزبي كبير في البلد، وهو ما سيجرى العمل عليه في الفترة القادمة، والعنوان الأبرز طبعاً  يتمثل باستيعاب ردود الأفعال داخلياً وخارجياً، والسعي لتوافق وطني عام في البرلمان أساساً حول كيفية تطبيق التعديلات الدستورية بشكل مطمئن للجميع مع تلقف الرسالة الشعبية الكردية ، وهي برأيي واحدة من أهم رسائل ودلالات الاستفتاء الدستوري التى سيجرى العمل عليها واستيعابها سياسياً اقتصادياً ومؤسساتيا أيضاً.