روسيا ترفع لواء الدفاع عن الأمة الأرثوذكسية!

  • الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أرشيف)

  • صحيفة العرب- رانيا مصطفى
  • تاريخ النشر: 2017-12-10 10:51

كلمات مفتاحية

تكثّف مؤخرا طرح شعار “حماية مسيحيي الشرق” من قبل سياسيين ودبلوماسيين ورجال دين روس، خاصّة مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترشحه للانتخابات الرئاسية. ومنذ أيام قليلة، أعاد بوتين طرح هذا الشعار خلال لقائه بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق البابا يوحنا العاشر، وبالمثل رئيس قسم العلاقات الخارجية للكنيسة الروسية، المطران إيلاريون، يتحدث في القمّة المسيحية العالمية في واشنطن عن اضطهاد وإبادة مسيحيي الشرق، ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يقول لدى لقائه أمين سرّ حاضرة الفاتيكان، بول ريتشارد نمالاغر، بضرورة الاهتمام بعودة المسيحيين إلى الشرق الأوسط في سياق التسوية السورية.

هذا الطرح الروسي غير جديد، فالكنيسة الروسية كانت قد وصفت التدخل الروسي في سوريا في 2015، بالمعركة المقدسة، هذا غير العديد من المؤتمرات والفعاليات التي نظمتها روسيا لتكريس هذا التوجه.

ليست الانتخابات الرئاسية الروسية وحدها وراء التكثيف الروسي الأخير في تداول هذا الشعار، فالمسألة لا تتعلق بدعم بقاء بوتين في الرئاسة وحسب، بل تتعدى ذلك إلى تطور عميق في علاقة الكنيسة الروسية بالحكم، والتي يبدو أنها باتت أكثر نفوذا، مستغلة تناقضات الدولة الروسية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي شكل قطبا عالميا ينافس أميركا والغرب الأوروبي. اليوم روسيا الاتّحادية، بقيادة بوتين، تتطلع إلى أمجادها القيصرية، وتسعى إلى قيادة قطب آخر، أرادت له أن يغاير توجهات القطب الواحد الذي تتزعمه أميركا.

تنتهج روسيا في العمق الاقتصادي الأسلوب الليبرالي الجديد ذاته الذي تعمّمه أميركا على أوروبا والعالم، ونفس الأسلوب الاستعماري عبر التدخل العسكري المباشر في مناطق نفوذها، كما في سوريا وأوكرانيا، بعد أن دفنت الطبقة الأوليغارشية الحاكمة اشتراكية الاتحاد السوفييتي معه.

وجدت روسيا ضالّتها في رحلة البحث عن هوية أيديولوجية تميّزها، وتخصّها كدولة عظمى صاعدة بقوة، ومنافسة للغرب الليبرالي في تزعم ما أسمته “الأمة الأرثوذكسية”. من هنا بدأ الجناح المسيحي المحافظ بالتضخم في الداخل الروسي، وتضخم معه الخطاب الديني، والحديث عن جهاد مقدس لحماية مسيحيي الشرق. هكذا كان شكل التبرير في الداخل الروسي للتدخل العسكري في سوريا في 2015، والذي كان بطلب من النظام نفسه؛ فسوريا واحدة من دول بلاد الشام، مهد المسيحية الشرقية.

من الواضح زيف هذا الشعار! وأنه ليس إلا قناعا أيديولوجيا يخفي وراءه المصالح الاستعمارية الروسية. إذ يمكن ملاحظة عدّة تناقضات، يفسّرها استثمار الأطراف المتعددة للنفوذ الروسي في سوريا؛ فالفاتيكان عبّر على لسان وزير خارجيته، بييرو باولين، خلال اجتماعه مع الرئيس بوتين في 23 أغسطس عن ارتياحه لكيفية نمو العلاقة بين الكنيسة الأورثوذكسية مع الكرسي الرسولي، وبالمثل فإن موقف الكنيسة المارونية في لبنان يؤيد التدخل الروسي في سوريا، دون تحفّظات أيديولوجية أو غيرها.

اللافت في خطاب بوتين الأخير أثناء لقائه البابا يوحنا العاشر، وإلى جانب الحديث عن حماية مسيحيي الشرق، أنه تطرّق إلى الحديث عن تعرض أبناء الديانة اليهودية أيضا إلى الاضطهاد، وعن طلب منظمات يهودية أميركية من روسيا حماية وترميم مقدسات يهودية في سوريا؛ ومن الواضح أن بوتين يغازل اللوبي اليهودي الناشط في أوروبا وأميركا للتخفيف من العقوبات المفروضة على روسيا، وقد وعدهم في مناسبات أخرى بعودة يهود سوريا إليها.

التنافس مع أميركا هو الأصل في تبني الروس لخطاب حماية المسيحيين، فهم لا يفوّتون الفرص للتنديد بالدور الأميركي والغربي في التدخل “غير الشرعي” في شؤون المنطقة وخلق الإرهاب، وأن الأميركيين فشلوا في حماية المسيحيين في الشرق، كما في العراق ولبنان؛ وبالتالي روسيا، بوصفها “قائدة العالم الأورثوذكسي”، هي من سيتولى هذه “المهمة المقدسة”.

مسيحيو سوريا لم يتعرّضوا إلى اضطهاد بالمعنى الطائفي، غير الاضطهاد الذي يتعرض له كل السوريين، من النظام خصوصا. لم تحصل مجازر تذكر تخص المسيحيين، وكثيرا ما كانت تحَيّد المناطق المسيحية، إلا الحوادث التي فرضتها حالة الفوضى التي عمّت البلاد.

لذلك فإن الخطاب الروسي عن حماية المسيحيين في الشرق لا يزال محتكرا في الإعلام، بالنسبة للداخل السوري، ولم يُترجم إلى واقع ملموس؛ فمسيحيو سوريا لا يخصون روسيا بالولاء الأيديولوجي، وليس من ميليشيات مسيحية توالي روسيا، ومعظم ما يوجد على الأرض هو ميليشيا الدفاع الوطني في القرى المسيحية، أو تلك التابعة للحزب القومي السوري الاجتماعي، والتي تنشط في وادي النصارى، وكلها تتبع للنظام، ومنها ما تمّوله إيران. أي حتى الآن لم تتوجّه روسيا إلى مسيحيي سوريا، ولم تقدم دعما ماليا سخيا، على غرار ما تفعل إيران مع الشيعة ومع من أرادت تشييعهم بشراء ولاءاتهم.

لم تقدم روسيا للمسيحيين رعاية خاصة أو فرصا للعمل أو التعليم أو حتى الهجرة إلى بلادها، لمنافسة ما قد يقدّمه الغرب على الأقل. ولا يبدو أنها تحسب حسابا لتحمّل مثل هذه الخسائر، أو ربما ليست لديها بعد الخبرة الكافية لاختراق المجتمع السوري حتى من أشد نقاط ضعفه، أي الطائفية. بالأصل هي فشلت في صناعة ميليشيا، غير طائفية، تخصّها، كبدعة الفيلق الخامس، وظلت تعتمد في مهمّاتها البرية على قوات النظام والميليشيات التابعة لإيران.

لا يبدو أن المساعي الروسية المتصاعدة بتبنّي خطاب أيديولوجي وطائفي، ستكلل بكثير من النجاح، سوى بعض المصالح السياسية مع الأطراف المقتنعة بأن روسيا هي من سيتحكم مستقبلا بسوريا، وأن تأييدها لمساعيها الطائفية، إنْ لم ينفع، لن يضرّ.

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
كيف تتوقع نتائج قمة "هلسنكي" بين ترامب وبوتين ؟
Orient-TV Frequencies