رسائل أميركية إلى روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل

  • الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

  • صحيفة العرب اللندنية- ماجد كيالي
  • تاريخ النشر: 2018-01-22 10:30
بداية قد يجدر لفت الانتباه إلى أن الرسائل التي وجهها وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون، والتي أعلن فيها عن استراتيجية بلاده إزاء سوريا، لا تفصح فقط عن رغبة أو إرادة أميركيتين بالانخراط في الصراع السوري، بشكل أكثر فعالية وقوة وتأثيرا من ذي قبل، وعلى الصعيدين الميداني والسياسي، إذ إنها تعبّر، أيضاً، عن تبلور خطوط استراتيجية، أو خارطة طريق لكيفية حل أو حسم، هذا الصراع الدائر منذ سبع سنوات، مع تشكيل نوع من توافق أو تحالف بينها وبين مجموعة من الدول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، وربما دول أخرى، لهذا الغرض.

بيد أن ما يجب لفت الانتباه إليه، أيضاً، أن خارطة الطريق هذه عدا عن أنها تفصح عن الرؤية التي تتبنّاها الولايات المتحدة مع الدول المذكورة، فإنها في ذات الوقت تبعث برسالة إلى الأطراف الأخرى المنخرطة في الصراع السوري، ولا سيما إلى روسيا وإيران وتركيا، تفيد بأنه لم يعُد من المقبول تفردها بتقرير مصير سوريا وتقاسم النفوذ فيها، وأن مرحلة توكيلها بإدارة الصراع السوري أو استنزافها فيه، قد انتهت.

هكذا، فالرسالة التي تم توجيهها إلى روسيا، في هذه الاستراتيجية، تحدثت بشكل واضح عن مسألتين، أولاهما، أن تدخّل روسيا شجع بشار الأسد على الاستمرار بحملته الوحشية ضد المدنيين وقصف شعبه بالبراميل المتفجرة والغازات السامة، بما يعنيه ذلك من تحميل لروسيا مسؤولية الكثير مما حصل في سوريا.

والثانية أن لا حل في سوريا إلا عبر المسار التفاوضي في جنيف، أي لا في مفاوضات أستانة، ولا في مؤتمر سوتشي، اللذين تعوّل عليهما روسيا، ما يعني أن الحل، من وجهة النظر الأميركية، يجب أن يأتي وفقا للمعايير التي رسمها مجلس الأمن الدولي في القرار 2254، وتبعا لذلك أو تأكيدا له، فقد جدد تيلرسون التأكيد عن أن الولايات المتحدة لن تدعم إعادة الإعمار في سوريا إلا بعد تحقيق الانتقال السياسي في هذا البلد.

أما الرسالة التي تلقتها إيران، بدورها، فهي تفيد بتهديدها بأن الولايات المتحدة ستواصل تحجيم نفوذها في المنطقة، وفي سوريا خاصة، كي “يصبح جيران سوريا في أمن” باعتبار أن نفوذها “بات يهدد كل المنطقة”، مع تحميلها مسؤولية انتهاج نظام الأسد “سياسة التطهير العرقي وشنّ حملة القمع” و“هزيمة المعارضة بدعم من الميليشيات المدعومة” منها.

ومعلوم أن هذا الكلام يتزامن مع الضغوط الأميركية المتمثّلة بفرض عقوبات جديدة على إيران، والتهديد بإنهاء الاتفاق النووي، كما الحديث الأميركي عن إنشاء جيش أو قوة عسكرية لحماية الحدود الشرقية والشمالية، مع العراق وتركيا ومجرى نهر الفرات، مع ما يعنيه ذلك لإيران تحديدا من إقفال الكرادور الذي يربط طهران بلبنان، مرورا من العراق إلى سوريا، لتقليم أظافرها وإضعاف ميليشياتها في المنطقة.

وفي ما يخص القطب الثالث في توافقات أستانة، وهي تركيا، العضو في حلف الناتو، والمفترض أنها حليف للولايات المتحدة، وتقف في صف المعارضة السورية، فقد تضمّنت الرسالة نوعاً من التطمين أو تهدئة الخواطر، سيما مع التوترات وانعدام الثقة، الحاصلين في العلاقات التركية الأميركية مؤخراً. فبهذا الشأن فقد تحدثت الرسالة عن مواصلة العمل معها والأخذ بـ“مخاوف أنقرة بعين الاعتبار”. مع القول “نحن بحاجة إلى تركيا في تأسيس مستقبل سوريا” في إشارة إلى نقاط الخلاف بشأن تسليح وتدريب قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب عبدالله أوجلان في تركيا، وهو يأتي في سياق التخفيف من الكلام عن إنشاء جيش جديد على الحدود التركية شمالي سوريا، والذي تعترض عليه تركيا، خوفا من الطموحات القومية الانقسامية للأكراد في تركيا ذاتها.

أخيرا، ورغم أن إسرائيل بعيدة ظاهريا عن الصراع السوري، أو غير متورطة مباشرة فيه، ورغم أنها ليست ضمن محور روسيا إيران تركيا، إلا أن الاستراتيجية الأميركية لم تتجاهلها، بل أخذتها في عين الاعتبار في حديثها عن ضمان أمنها. ومعلوم أن الولايات المتحدة عملت مع روسيا، من خارج المحور الثلاثي المعروف (محور أستانة)، وبالتعاون مع الأردن، على إقامة منطقة “خفض تصعيد” في الجنوب، تشمل ثلاث محافظات هي القنيطرة والسويداء ودرعا، وقد فهم من ذلك أن إسرائيل متضمّنة أو شريكة في هذا المحور.

وبشكل أكثر تحديدا فإن الخطوط العامة للاستراتيجية الأميركية، التي أكدت ضرورة بقاء الوجود العسكري الأميركي، وتفعيل دورها السياسي، في سوريا، فيمكن تلخيصها بالآتي: أولا إنهاء الصراع في هذا البلد وفقا للقرار 2254 وفي مسار جنيف. ثانيا رحيل الأسد عبر عملية سترعاها الأمم المتحدة، ما يخلق ظروفا للسلام بعيدة الأمد.

ثالثاً تعزيز الحكم المحلي. رابعا ضمان عودة اللاجئين. خامسا إخلاء سوريا من أسلحة الدمار الشامل. سادسا ضمان عدم ظهور داعش مجددا وعدم تكرار ما حدث في العراق بعد الانسحاب الأميركي حيث أتاح ذلك ظهور القاعدة التي تحوّلت إلى داعش. طبعا، من المفهوم أن الحديث عن استراتيجية أو خارطة طريق لا معنى له أو لا جدوى منه، إن لم يقترن مع إرادة سياسية، ومع توفير الإمكانيات وقوة الدفع اللازمة لها.

وبديهي أن الولايات المتحدة تمتلك كل القدرات اللازمة لوضع رؤاها موضع التنفيذ، سيما مع وجود ثماني قواعد أميركية في سوريا، ومع سيطرتها مباشرة أو بشكل غير مباشر على ما نسبته 40 أو 50 بالمئة من الأراضي السورية، في الشرق، والشمال الشرقي (شرقي الفرات) وفي الجنوب (حيث منطقة خفض التصعيد)، ومع رصدها حوالي 500 مليون دولار لدعم هذه التوجهات.

المعنى من كل ذلك أن الولايات المتحدة عدا عن القوة العسكرية التي تمتلكها ووجودها الميداني على الأرض، فهي تمتلك أيضا القوة السياسية والدبلوماسية ومكانتها الدولية والإقليمية، أي القوة الناعمة، لفرض رؤيتها على الأطراف المتصارعة، لكن ذلك يستلزم توفر الإرادة، وضمنها قناعتها بأن الاستثمار في استمرار الصراع السوري قد استنفذ أغراضه، وأن مجمل الأطراف قد أنهكت واستنزفت، وأن إسرائيل قد باتت في مأمن لعقود، سيما مع تصدّع بنى الدولة والمجتمع في العراق وسوريا، وهي القطب المخفي الذي يقف وراء اللامبالاة الأميركية إزاء الصراع في سوريا والعراق، وإزاء تسهيل هيمنة إيران على هذين البلدين.

فهل تتوفر الإرادة الأميركية لقرن الأقوال بالأفعال، بعد سنوات من اللامبالاة أو ترك الأطراف لتتصارع في ما بينها وتستنزف بعضها؟ هذا ما يفترض أن نراقبه في المدى المنظور للتأكد منه، وللتأكد من كيفية تموضع الأطراف الأخرى في هذا الصراع وكيفية تعاملها أو تكيّفها مع المستجدات في الموقف الأميركي؟

شارك برأيك

أضف تعليق (الحد المسموح 500 حرف)

تصويت
هل تنجح "قسد" بتشكيل حكومة مصغرة بالتعاون مع مليشيات أسد الطائفية؟
Orient-TV Frequencies