الصواريخ التي استهدفت مطار التيفور العسكري السوري في حمص فجر أمس الاثنين هي إسرائيلية وليست أميركية، ولم تأت ردا على استخدام الأسلحة الكيماوية في مدينة دوما السورية في غوطة دمشق السورية، فالنظام السوري الذي استخدم هذا السلاح كما أشارت العديد من التقارير المحلية والدولية، وسببت ضربات قواته العسكرية سقوط المئات من القتلى والجرحى في هذه المدينة نتيجة استخدام غاز السارين، يبدو مطمئناً إلى ردود الفعل الأميركية والدولية التي لم تصل في اعتراضها على استخدام هذه الأسلحة إلى حد القيام بخطوات عسكرية رادعة، وهذا ما أظهرته الوقائع منذ العام 2012 إلى اليوم، حيث اقتصرت ردود الفعل على ضربات عسكرية محدودة لمواقع سورية في أحسن الأحوال ومواقف منددة باستخدام هذا السلاح. وصف “الحيوان” الذي أطلقه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على الرئيس بشار الأسد بعد واقعة دوما الأخيرة، هو أفضل ما يمكن أن ينتظره النظام السوري من الموقف الأميركي، على الرغم من الإشارات الأميركية التي صدرت عن إمكانية قيام واشنطن بخطوة عسكرية ردّا على استخدام السلاح الكيماوي، لكن في ظل التوجهات الأميركية للانسحاب من سوريا كما أعلن دونالد ترامب عنها فإن أحدا من المراقبين لا يتوقع أي خطوة أميركية رادعة للنظام السوري وحلفائه في سوريا. الطائرات الإسرائيلية التي قصفت صواريخها مطار التيفور، تطور في سياق آخر لا علاقة له بما يجري في دوما، فهذا المطار الذي تتواجد فيه مواقع للجيش السوري، تؤكد العديد من التقارير أن إيران تستخدمه كقاعدة لإطلاق الصواريخ والطائرات من دون طيار. وفيما أكد ناشطون سوريون أن الطائرات الإسرائيلية شوهدت تطلق دفعة من الصواريخ من فوق الأراضي اللبنانية، فقد تحدثت تقارير رسمية سورية عن سقوط عدد من القتلى والجرحى من الجيش السوري في مطار التيفور. الموقف الأميركي يضع عنوان الانسحاب من سوريا كاستراتيجية للقوات الأميركية، تاركاً للدول المتواجدة عسكرياً على الأراضي السورية مهمة إيجاد الحلول، خصوصاً أنّ الرئيس ترامب أكد أن المهمة الأميركية تنتهي مع القضاء على تنظيم داعش في هذا البلد، وعلى الرغم من محاولات التشكيك بهذا الانسحاب من داخل الإدارة الأميركية، إلا أن الثابت هو عدم وجود أي استراتيجية أميركية تجاه سوريا تقوم على الضغط لفرض حلول أو للجم أدوار عسكرية لروسيا وإيران، وكانت معارك الغوطة الشرقية بما شهدته من وقائع تدميرية ولا تزال، مؤشرا على أنّ الموقف الأميركي غير معني بمواجهة هذا السلوك الدموي والعسكري، ولا يرى خطراً على مصالحه في إعادة سيطرة النظام السوري على ما تبقى من مناطق نفوذ المعارضة في محيط دمشق. على هذه القاعدة في الموقف الأميركي، فإنّ المشهد السوري ذاهب إلى المزيد من إطلاق يد النظام وحلفائه دوليا في سحق المعارضة السورية، إذ لا يبدو أن هناك أيّ عائق يحول دون تنفيذ هذه السياسة لا سيما في المناطق التي تقع ضمن سيطرة النظام وحليفيه الروسي والإيراني، وجل ما يمكن أن تقوم به واشنطن هو الرد الشكلي عسكرياً على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، ذلك أن المعارك الجارية في الغوطة الشرقية بكل ما انطوت عليه من جرائم ضد المدنيين لم تحدث أيّ تغيير في السلوك الأميركي والدولي. جل ما أثار حفيظة الإدارة الأميركية هو استخدام سلاح محرم دوليا، لن تكون نتائجه أكثر من تسجيل اعتراض عسكري محدود يندرج في تسجيل الموقف، وهو موقف له حساباته الدولية بالدرجة الأولى لا السورية. وفي المقابل شكل الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، الحصن المنيع ضد أي قرار دولي يمكن أن يُلجم النظام السوري عن ارتكاب جرائمه، وهذا يؤكد إلى حدّ بعيد أنّ روسيا وإيران معنيتان مباشرة بالخطوات التي ينفذها النظام، وتدركان في نفس الوقت حدود المصالح الأميركية التي تتجنبان المساس بها، وهذا ما لمستاه حين اقتربتا قبل أشهر من مناطق شرق الفرات حيث كان رد الفعل الأميركي عنيفا، عندما أسقط في ليلة واحدة مئات القتلى من الجنود الروس وقبل ذلك بأسابيع أسقط عشرات العناصر من الميليشيات الإيرانية والعراقية حين حاولت الاقتراب من مناطق النفوذ الأميركي في تلك المنطقة. المفجع في المشهد السوري هو الغياب العربي، ففيما يشكل استخدام السلاح الكيماوي مجال جدل ونقاش دولي، ثمة صمت عربي يعكس حالا من الاستسلام أو العجز إن لم يكن التواطؤ، لا سيما أن سوريا تشهد عملية تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية والعمرانية، والأهم عملية تغيير ديمغرافي لم تعد خافية على أحد. في المقابل تجري عملية رسم دقيق لمعالم النفوذ الإيراني والإسرائيلي بإشراف روسي، ولعل الضربات الإسرائيلية الأخيرة على المطار في ريف حمص، تظهر إلى حد بعيد حدود الاهتمامات التي تتجاوز الاعتبارات الإنسانية أو السياسية المتصلة بالشعب السوري. خلاصة الموقف الأميركي والدولي تشير إلى أن التطورات السورية السياسية والعسكرية والإنسانية في محيط دمشق، لن تشكل استفزازا لواشنطن، مهما كان الصوت عاليا للرئيس الأميركي ضد جرائم الأسد وحلفائه، فيما مجلس الأمن الدولي سيكون عاجزا عن إصدار أيّ موقف لا تقبل به روسيا، علما أن أيّ تطور عسكري ينتج عن تدخل أميركي هو ليس في حسابات واشنطن ولا ترغب الدول الأوروبية فيه، لا سيما أن إسرائيل التي تبدو مطمئنة إلى حدّ بعيد للإدارة الروسية للاستقرار على الحدود السورية الإسرائيلية، إلى جانب الاستقرار على الحدود مع لبنان، ليست في وارد المغامرة بهذا الاستقرار، وعلما أيضا أنّ التطورات السورية أتاحت لها القدرة على توجيه ضربات عسكرية لكل ما تعتبره تهديدا لأمنها في سوريا من دون أن تشكل هذه الضربات أي استفزاز أو رد فعل من الجانب السوري أو الروسي. فعلى الرغم من سقوط الطائرة الإسرائيلية قبل أشهر بمضادات سورية، فإن الثابت أن إسرائيل تبدو غير مقيدة في الرد على ما تعتبره يهدد أمنها في سوريا، فيما تبدو القوى المقابلة لها ملتزمة إلى حد بعيد بشروط الأمن الإسرائيلي. هذا ما تقوله وقائع الميدان التي أظهرت بوضوح أن الموقف الدولي سيبقى عاجزا أو متفرجا أمام المجازر التي يرتكبها الأسد وحلفاؤه ضد المدنيين، وشديد الحسم والقوة عندما يتصل الأمر بأمن إسرائيل أو بمناطق نفوذ واشنطن في الشمال السوري أو في جنوبه.