لم تقتصر تأثيرات الأزمة التركية الأمريكية الأخيرة على الداخل التركي فقط، وإنما امتدّت لتصل الساحة السورية في الشمال، المرتهنة بالتطورات الإقليمية وخاصةً التركية، مما يجعل من تلك التأثيرات دورها الفعّال برسم حاضر ومستقبل شمال وشرق سوريا. ورغم سوء العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا؛ إلا أن مسؤولي البلدين يتبادلون المحادثات فيما يخصّ الوضع السوريّ وخاصة في الشمال وشرق الفرات، وهذا ما أكّده وزير الخارجية التركي (مولود جاويش أوغلو) عقب محادثاته مع نظيره الأمريكي (مايك بومبيو) في سنغافورة. مستقبل إدلب تزامن انهيار الوضع الاقتصادي في تركيا مع ارتفاع وتيرة القصف والعمل لإعادة محافظة إدلب لحضن نظام الأسد، يؤكد أن صمود إدلب وبقائها مركزاً لكل من عارض نظام الأسد مرهونٌ بقوة تركيا اقتصادياً وعسكرياُ كوْنها الراعية لها، حيث يُشير الكاتب والمحامي (عبد الناصر حوشان) إلى أن الحملة الممنهجة على إدلب مؤخراً ليست عبثية وإنما للأزمة التركية الأمريكية ارتباطاتها بها. ويؤكد (حوشان) في حديثه لأورينت نت أنه "في حال كان هناك تنسيق استخباراتي بين نظام الأسد والولايات المتحدة، وهذا لا يُستبعد، فإن الهجمة الشرسة بالطائرات السورية على إدلب مؤخراً والتهديد بعمل عسكري عليها، جاء لإنهاء ملف خفض التصعيد في المحافظة وبالتالي فتح ملف نازحين جدد تزيد في تعميق الأزمة الاقتصادية في تركيا وبالتالي ستتخلى عن إدلب لنظام الأسد". أما في حال استبعدنا التنسيق الاستخباراتي الأمريكي مع نظام الأسد - وفقاً لحوشان - فإن "النظام حاول أن يستغل هذا الوضع الدولي لخلط الأوراق وتعميق الخلافات الدولية مع تركيا لتُنهي ملف إدلب بسهولة". ونوّه الكاتب إلى أن ما جرى في الأردن قبل سيطرة الأسد على درعا من أزمة اقتصادية واحتجاجات على الحكومة الأردنية وتخلّي أمريكا والأردن عن ثوار درعا يُشابه ما يجري في تركيا وبالتالي تحديد مصير إدلب، حسب كلام (حوشان). بدوره يقول الناشط (أحمد القاسم) إن "استمرار الخلافات التركية الأمريكية سيدفع الجانب التركي للتقارب أكثر من الجانب الروسي والإيراني، وهذا ما بدا واضحاً للعيان خلال المؤتمر الصحفي الأخير بين وزيريّ الخارجية التركي والروسي، مما يعني الحصول على تفاهمات جديدة حول مصير إدلب ولكن ربما تصبّ لمصلحة الأسد أكثر من غيره". اتفاق منبج رغم الخلافات التركية الأمريكية؛ إلا أن الدوريات المشتركة بين قوات البلدين في منبج ما زالت تُسيّر دورياتها المشتركة، حسبما تمّ الاتفاق عليه ضمن خارطة طريق منبج الموقّعة بين البلدين منذ شهرين تقريباً. وحول هذا الاتفاق، يوضح الكاتب والمحلل السياسي (محمد نديم كويفاتية) لأورينت نت مدى تأثير الأزمة التركية الأمريكية على اتفاق "منبج" الذي يهدف لإخراج الميليشيات الكردية من المدينة، فيقول: "حتى اللحظة ما زال اتفاق خارطة طريق منبج مستمراً بالتنفيذ رغم صعوبة ذلك، فقد جرت منذ بضعة أيام تسيير الدورية المشتركة رقم /29/، ورغم الخلافات بين البلدين إلا أن أمريكا لا تريد أن تخسر الجانب التركي نهائياً لأنها بوابة أوروبا ولها علاقاتها مع الصين وروسيا". ويؤكد (كويفاتية) أنه "في حال استمر الخلاف التركي الأمريكي، وتطورت العلاقات التركية مع كل من روسيا وايران والصين، فربما تصبح منطقة منبج كلها ساحةً لتصفية الحسابات بين الطرفين وكل منهم يستخدم أوراقه التي بين يديه، ولكنها لن تصل لحدّ المواجهة العسكرية بين البلدين، وإنما اللعب سيكون بالأوراق السورية". شرق الفرات  تخضع منطقة شرق الفرات في سوريا لسيطرة الميليشيات الكردية المدعومة من القوات الأمريكية بكافة الأسلحة والمعدّات، وآخرها تقديم عشرات العربات الأمريكية المصفّحة لهذه الميليشيات. وعن تأثير الأزمة التركية الأمريكية على منطقة شرق الفرات في شرق سوريا، يقول المقدّم (أحمد العطار) لأورينت نت: "تُعتبر منطقة شرق الفرات منطقة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية لوجود مئات حقول النفط، ولذلك دعمت الميليشيات الكردية وساندتها للسيطرة على هذه المنطقة قبل أن تصل إليها تركيا، خاصة أن تلك الميليشيات على عداء دائم مع الجانب التركي، وبالتالي استمرار هذه الأزمة سيمنع تركيا من استكمال حماية حدودها الجنوبية". ويُضيف (العطار) "رغم زيارة عدد من المسؤولين الأمريكان لمنطقة شرق الفرات مؤخراً وخاصة بعد الأزمة التركية الأمريكية؛ إلا أن قيادة الميليشيات الكردية زارت دمشق والتقت مع بعض المسؤولين في نظام الأسد، مما يدلّ على رضا أمريكا لتلك الزيارات، وبالتالي من الممكن تسليم المنطقة لنظام الأسد وقطع الطريق أمام تركيا لحصولها على شريط حدودي بعمق 30 كم داخل الحدود السورية أقل ما يمكن، وخاصة بعد العمليات التركية العسكرية في جبل قنديل بالعراق وتخوّف الميليشيات الكردية شرق الفرات من تمدد هذه العمليات تجاهها".