مع بداية العام الدراسي في روسيا الاتحادية، بثَّ التلفزيون الرسمي «RT» شريطاً مصوراً عن تدريب أعداد كبيرة من الأطفال السوريين في المدارس العسكرية الروسية، وأظهر الشريط المتلفز الأطفال بالملابس العسكرية الزاهية لطلبة الكليات الحربية الروسية، معهم كثير من الضباط الروس الذين يهتمون بتوفير متطلباتهم من الأمور الدراسية إلى نوعية الطعام.  يبرز الشريط أن هذا الأمر يأتي تنفيذاً لقرار يسمح بالتحاق الأطفال السوريين بالمدارس العسكرية الروسية. أحد المتدربين وبدا في سن العاشرة، ذكر للقناة أن والدته اعتقدت في البداية أنه سافر لفترة إجازة 15 يوماً؛ لكن البرنامج شدد على إبراز الهدف، وهو «إعداد هؤلاء التلامذة كقادة محتملين في السنوات القادمة»، موضحاً أكثر بأن إعداد هؤلاء «الضباط العسكريين هو استثمار كبير في مستقبل سوريا». وتضمن الشريط المتلفز تأكيداً من السفارة السورية في موسكو، جاء فيه أن «تدريب الأطفال السوريين ضمن فيلق الطلاب الروس، يأتي ضمن إطار اتفاق دائم». ينتهي الشريط، فيثور السؤال طارحاً نفسه: أين حدث ما هو شبيه؟ هل هي اسبرطة في نسخة محدثة؟ أو حالة إنكشارية جديدة؟ أو عودة لبدايات زمن القياصرة، عندما كان الهم الوصول إلى المياه الدافئة، ومن أجل هذه الغاية شهدت الإمبراطورية الروسية، ولا سيما الأطراف، أوسع عمليات تجنيد طالت الأطفال، أو أنها النسخة الروسية - السورية المتماثلة مع تجنيد الحزب النازي للأطفال الألمان؟ من فيلق الطلاب في موسكو إلى «الفيلق الخامس اقتحام»، ذهبت روسيا بعيداً في البناء على تأهيل حالة سورية تؤمن الغطاء لوجود روسي مديد، قالت الاتفاقات السورية الروسية التي تناولت قاعدة «حميميم» إنه مستمر لـ49 سنة قابلة للتجديد، ومعه باتت قاعدة «حميميم» الجوية البرية وقبلها قاعدة «طرطوس» البحرية، أراضي سورية خاضعة للقانون الروسي، ويتضح أن كل الخطوات الروسية تصب في خدمة هذا الهدف. تروي جهات سورية معارضة مطلعة على ما يجري، أنه بالعمق هناك رهانات سورية على دور روسي للقطع مع الوضع المخيف الذي خلقه الحرس الثوري الإيراني وميليشياته الطائفية المتطرفة التي استقدمها من أكثر من بلد، ونجح في توطين أعداد لا يستهان بها، كما نجح في اختراق ما كان يعتبر النواة الصلبة في الجيش السوري، أي الحرس الجمهوري و«الفرقة الرابعة» التي يقودها ماهر الأسد. لكن منذ إقرار «مسار آستانة» ما سُميت مناطق «خفض التصعيد»، باشر ضباط «حميميم» العمل لتغيير المشهد السوري، وهؤلاء يلقون الدعم من حزب كبير، يضم عشرات ألوف الضباط الذين تخرجوا من المدارس العسكرية الروسية، ومع الوجود الروسي باتت أكثريتهم ترفض تلقي الأوامر من الميليشيات الإيرانية، ومثلهم عشرات ألوف الأطباء والمهندسين، وسواهم من الخريجين، إضافة إلى المصاهرات التي تصل إلى نحو 300 ألف. وتغيير المشهد يتم بدعم من قوات ضاربة برية، هي الشرطة الروسية، حيث لم يعد الأمر يقتصر على استمالة بعض كبار الضباط البارزين ووحداتهم، والمثال «قوات النمر»؛ بل بدأت خطوات حل الميليشيات السورية التي أنشأها الحرس الثوري، وبالمقابل إطلاق حملة تجنيد واسعة لصالح «الفيلق الخامس اقتحام»، الذي خصص له الروس ميزانية، وأولت القيادة الروسية اهتماماً خاصاً لضباطه، كما ركزت من خلال المصالحات التي نفذتها، وما سُميت «تسوية أوضاع» على اجتذاب أعدادٍ كبيرة ممن حمل السلاح ضد النظام إلى صفوفه، وهذا ما حدث على نطاق واسع في الجبهة الجنوبية، بعد إعادة الروس محافظة درعا وريف السويداء والقنيطرة إلى سيادة النظام السوري. منذ الأول من أغسطس (آب) الماضي، بات الصراع مكشوفاً. منع الضباط الروس «الفرقة الرابعة» من المشاركة في عمليات الجنوب، وأدت الاتفاقات المعلنة مع المحتل الإسرائيلي لإعادة العمل باتفاقية فصل القوات في الجولان لعام 1974، وقضت الاتفاقات بموافقة طهران على ابتعاد الحرس الثوري والميليشيات التابعة له مسافة 85 كيلومتراً إلى الشمال من الجولان المحتل. واقعياً تم نشر وحدات عسكرية موالية لـ«حميميم» على امتداد الحدود مع الأردن والجولان ولبنان، وطيلة أكثر من شهرين توالت الأنباء عن الصدامات بين القوات الروسية و«الفيلق الخامس» و«قوات النمر» من جهة، ومن الجهة المقابلة «الفرقة الرابعة» وكثير من الميليشيات التي أقامها الحرس الثوري، وكان الأبرز في منتصف أُغسطس المواجهات في ريف حماة الشمالي والغربي، وانتهت بإبعاد «الفرقة الرابعة» والميليشيات العاملة معها عن معبر مورك، والأهم معبر قلعة المضيق الذي يدر أموالاً طائلة، ضرائب وإتاوات. وامتدت المواجهات من مناطق الساحل في جبلة والدريكيش إلى سهل الغاب؛ حيث أبعد الروس هذه القوى عن كل القرى والمواقع التي تنتشر فيها بمواجهة قوى المعارضة المسلحة في ريف حماة الغربي، واقتصر الوجود على وحدات من «الفيلق الخامس» و«قوات النمر»، بعدما اعتقلت الشرطة الروسية المئات من عناصر الميليشيات و«الفرقة الرابعة». إنه الصراع المفتوح على التمدد في كل سوريا، وعلى النفوذ في كل المناطق الاستراتيجية التي ترغب روسيا في السيطرة عليها.  وبعيداً عن المجاملات، أظهرت قمة طهران الثلاثية أن أطراف «مسار آستانة» الذين يريدون الحفاظ على تجمعهم بوجه كماشة العقوبات الأميركية، يختلفون على أمور كثيرة؛ لكن رهانات أنقرة وطهران بقيت انتزاع موافقة موسكو على حصول كلٍ من البلدين على حصة من الكعكة السورية، رغم أن القيصر ماضٍ في قصقصة أجنحة «حليفيه» الإيراني والتركي. وما تعاني منه طهران الآن ينتظر أنقرة، إذ ليس أمام الرئيس إردوغان سوى ابتكار طريقة لتسليم إدلب بعد الانتهاء من «جبهة النصرة»، وما يتردد عن صفقة تسمح بموجبها أنقرة بعودة مؤسسات النظام المدنية، فيما يعهد بالأمن لوحدات مشتركة روسية – تركية، أمر لا يُعوّل عليه؛ لأنه سيبقى إطاراً مؤقتاً مع الرفض الروسي لمثل هذه الشراكة. ستارة الفصل الراهن من رقصة الموت فوق المسرح السوري تُسدل قريباً، ومعه تزدحم جعبة القيصر الروسي بالانتصارات التكتيكية، وهو الطامح إلى فرض «انتداب روسي» يتم تحضير مسرحه من فيلق الطلاب إلى «الفيلق الخامس»؛ لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب تسوية سياسية تعكس حجم الإنجازات العسكرية الروسية. هذا الحلم الروسي سيبقى بعيد المنال لأن منطقة شرق الفرات ليست إدلب، هنا الروس وجهاً لوجه مع الوجود الأميركي ومع الأهداف الأميركية المعلنة، التي تستهدف الوجود الإيراني، وتستهدف تحقيق تسوية حقيقية عبر مسار جنيف والقرار 2254، ما يفتح المجال لعودة اللاجئين وبدء عودة سوريا، هنا هامش المناورة الروسية سيضيق تباعاً، والصفقة مع الأميركيين لتحقيق الإنجاز السياسي يستحيل تحققها على قاعدة استمرار رأس النظام، ولو حتى بالانتخابات، ومعه بقاء النفوذ الإيراني - ولو نسبياً - أقل من السابق.