وجدت روسيا في إسقاط وسائط الدفاع الجوي السوري لطائرة التجسّس الروسية أيل-20، عن طريق الخطأ، أثناء تصديها للهجمات الإسرائيلية على مواقع تخصّ إيران في شمال سوريا، فرصة ذهبية لإعطاء النظام السوري منظومة الدفاع الجوي أس - 300، مرفقة بما تحتاجه من ضبّاط وخبراء لتدريب عناصر في الجيش السوري على استخدامها، وتحت إشراف روسي مباشر، إضافة إلى منظومة إلكترونية متطورة للرصد والتتبع والتعطيل. بعد استعادتها مع النظام السوري السيطرة على “سوريا المفيدة”، سلّمت روسيا النظام منظومة أس - 300، لتعزيز موقفها التفاوضي، بعد أن بات ضعيفا. فمع إعلان الولايات المتحدة بقاءها في سوريا باتت روسيا مضطرة إلى قبول الشريك الأميركي في لعبة النفوذ داخل سوريا، وفي الحل السياسي. قبل منتصف أغسطس الماضي، كانت روسيا لا تزال تعتقد أن بإمكانها فرض انتقال سياسي حسب اللجنة الدستورية التي أنشأتها في مؤتمر “الحوار الوطني” في سوتشي مطلع هذا العام. ثم تلتها قمة هلسنكي للرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي اتفقا خلالها على خروج القوات الإيرانية، والميليشيات التابعة لها، من سوريا. بعكس تصريحات ترامب السابقة بالرغبة في الانسحاب من سوريا، تغلبت إدارته عليه بانتزاع قرار بالبقاء شرقي الفرات، عبَّرَت عنه تصريحات مسؤولين في البيت الأبيض، خلال النصف الثاني من أغسطس، بعد صدور توصيات وثيقة معهد واشنطن “نحو سياسة أميركية جديدة في سوريا”. فقامت واشنطن بتعزيز تواجدها العسكري شرقي الفرات بإنشاء قواعد عسكرية جديدة، وتسليم حلفائها في قوات سوريا الديمقراطية شحنة أسلحة. القرار الأميركي المفاجئ لموسكو جاء ليحقق عدة غايات أميركية في سوريا، وأولها عدم السماح لروسيا بالتّفرّد بتقرير مصير سوريا، وبالتالي تزايد نفوذها في الإقليم كقوة عظمى، خاصة أن لها قاعدتان عسكريتان في حميميم وطرطوس، إضافة إلى الأسطول البحري قبالة السواحل السورية؛ فروسيا كانت تتطلع إلى السيطرة على كامل الأراضي السورية، ووافقت ترامب في هلسنكي على إلغاء النفوذ الإيراني من سوريا، رغم أنها أجّلت تنفيذه بسبب عدم حصولها على ضمانات أميركية بترك سوريا لها، واكتفت باتفاق الجنوب لإبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود مع إسرائيل. ليس الحد من النفوذ الروسي في سوريا والمنطقة هو فقط وراء القرار الأميركي، بل أيضا رغبة أميركية في الاستفادة من الثروات النفطية والغاز في مناطق سيطرة حلفائها، قوات سوريا الديمقراطية الكردية – العربية، فهي تسعى إلى صيغة دستورية ما تسمح بتصريف النفط والغاز عن طريق آخر غير دمشق؛ لذلك بدأت تطرح دعم إدارة ذاتية في مناطق نفوذها، مع أن دعمها لحلفائها شرق الفرات وتعزيز تواجدها العسكري هما مرتبطان في جوهرهما بتصريحات تتعلق بمنع عودة تنظيم داعش إلى تلك المناطق. بدأت واشنطن تطرح شروطها للحل السوري، وأنه يجب العودة إلى مظلة الأمم المتحدة (جنيف، والقرار 2254)، وأن لا إعادة إعمار في سوريا دون حل سياسي لسوريا الجديدة بلا ارتباطات مع النظام الإيراني وميليشياته. كما أنها ضاعفت خطوطها الحمر في إدلب، وقالت بمنع حدوث مجزرة فيها. كل ما سبق شكّل ضغوطا كبيرة على موسكو وتهديدا لمصالحها في سوريا؛ وبالتالي باتت مضطرة أكثر إلى القبول بخيارات كانت تريد الالتفاف عليها، وهي التقارب أكثر مع الحليفين إيران وتركيا. ما استجد، روسيّا، هو ترحيب وزارة الخارجية الروسية بالتواجد الإيراني والميليشيات المتحالفة معه في سوريا، باعتبار إيران تساعد في مكافحة الإرهاب، حسب تصريحاتهم. وبالتالي تنصيب نظام أس - 300 هو بالفعل سيوفر حماية روسية لإيران داخل سوريا من الضربات الإسرائيلية، وهو ورقة تصعيد روسية ضدّ كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. في حين أن تقارب موسكو مع أنقرة فرض عليها القبول السريع باتفاق المنطقة العازلة في إدلب، كخطوة تهدئة، ومقدمة لترتيبات أشمل في إدلب، في ظل المخاوف التركية، والخلاف مع أميركا، خارج سوريا، وداخلها في ما يتعلق بالخلاف حول اتفاق منبج، وفي تهديد إقامة حكم ذاتي لفرع حزب العمال الكردستاني التركي. فشلت موسكو في إقناع الغرب بجدوى طرحها حول (إعادة الإعمار وعودة اللاجئين)؛ ففي حين أن الغرب يدرك أن عودة اللاجئين بالحجم المؤثر غير ممكنة، مع استمرار النظام بالاعتقال والملاحقة الأمنية، فقد أعلن صراحة أن إعادة الإعمار مشروطة بالحل السياسي الذي يحقق الاستقرار، أي تحت مظلة الأمم المتحدة وقراراتها. روسيا البوتينية، التي تعاني من وضع اقتصادي صعب، مستعجلة على جني غنيمة إعادة الإعمار؛ لكنها أيضا تريد استعادة مكانتها العالمية كقوة عظمى، عبر دور إقليمي أوسع لها في سوريا. لذلك اختارت التصعيد على أقصاه، بمنح النظام السوري منظومة الدفاع الجوي، متحدية التهديدات الإسرائيلية باستمرار قصف المواقع الإيرانية، ومتحدية التحذيرات الأميركية من القيام بهذه الخطوة. ما يحدث في سوريا هو معركة كسر عظم روسية أميركية؛ إذا استمرت طويلا ستؤدي إلى تفجّر الوضع السوري مجددا. واشنطن مستعدة لهذا التصعيد العسكري مع موسكو، ونشر المزيد من أنظمة الدفاع الجوي، وهي غير مستعجلة على الحل السوري، ولا تعاني من ورطة بسبب تدخلها في سوريا، بعكس موسكو التي تستعجل الحل؛ فهي لا تملك نفسا طويلا في الاستمرار بحرب السيطرة العسكرية على الأجواء السورية مع واشنطن، كما أنها قد تعرّض نفسها لخسارة ما حققته من نصر عسكري، عبر المصالحات، إذا ما تفجّر الوضع الميداني على الأرض مجددا، إذا تأخر الحل. تدرك روسيا أن توافقها مع واشنطن هو الأساس لأي تسوية ممكنة، وهي لا تملك غير الانصياع للشروط الأميركية، ولا يمكنها الرهان طويلا على حليف تركي بات ضعيفا تحت وطأة العقوبات الاقتصادية، وحليف إيراني غير مرغوب به دوليا وإقليميا، وسيقاسمها النفوذ والاستثمارات والسيطرة على مفاصل الحكم ضمن دوائر النظام الأمنية. فهل بمقدور روسيا مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، أم أن تسليم النظام أس - 300 هو ورقة لتعزيز موقفها التفاوضي مع واشنطن في الحل السوري.