في سبتمبر (أيلول) الماضي، سارعت موسكو إلى اتهام إسرائيل بإسقاط طائرتها للنقل العسكري من طراز «IL - 20»، بالقرب من اللاذقية. وبالتالي، ردت روسيا على هذه الخطوة التي وصفتها بـ«غير الودية» من جانب تل أبيب، عبر نشر وحدات إضافية من منظومة صواريخ «إس 300» في سوريا. ومن المفترض أن تزيد هذه الخطوة من صعوبة تنفيذ إسرائيل غارات جوية داخل سوريا. وحتى هذه اللحظة، ثمة جانبان مستفيدان بوضوح من هذه الخطوة؛ دمشق وطهران، اللتان كانتا تتوقان لوقوع خلاف بين روسيا وإسرائيل. واليوم، يعتقد الجانبان أن حلمهما بدأ في التحول إلى واقع تدريجياً. ورغم أنه لا يزال من السابق لأوانه طرح توقعات بخصوص المسار الذي ستتخذه الأزمة، فإن ثمة أمراً واحداً مؤكداً قائماً، هو أن الحوار بين موسكو وتل أبيب ازداد تعقيداً وينجرف تدريجياً بعيداً عن الشراكة الصامتة التي كانت قائمة قبل أزمة إسقاط الطائرة الروسية الأخيرة. لكن التساؤل هنا: هل ينبغي إلقاء اللوم حصرياً على إسرائيل في ما حدث؟ قد يكشف تحقيق دقيق في الأمر أن ثمة تسرعاً مفرطاً وراء قرار وزارة الدفاع الروسية تحميل تل أبيب كامل المسؤولية عما حدث. ورغم أن الإسرائيليين يتحملون بالفعل اللوم على ما حدث، فإنهم ليسوا الطرف الوحيد الذي أثار مأساة الطائرة الروسية. من الواضح أن آلية تجنب الصدام بين القوات الروسية والإسرائيلية بحاجة لمزيد من التطوير. يذكر أنه منذ بداية المشاركة العسكرية الروسية في سوريا، كانت القوات الجوية الإسرائيلية نشطة بدرجة كبيرة في القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في حمص وضواحي دمشق. داخل هذه المناطق، كان وجود القوات الجوية الروسية عند الحد الأدنى أو على الأقل ليس بكثافة. وفيما مضى، تجنبت القوات الإسرائيلية تنفيذ طلعات جوية في اللاذقية التي ينشط فيها وجود قوات جوية روسية لأسباب واضحة، منها قربها من قاعدة حميميم الجوية. وهنا يبدو الخطأ الإسرائيلي جلياً، ذلك أن توجيه إخطار إلى القوات الجوية الروسية قبل الغارة الإسرائيلية بفترة قصيرة لم يكن كافياً لتجنب الكارثة. على الجانب الآخر، فإن التصور الذي طرحته وزارة الدفاع الروسية حول أن طائرات «إف 16» الإسرائيلية استغلت الطائرة الروسية غطاءً لها من الدفاعات الجوية السورية، لا يصمد أمام أي تمحيص؛ إذ أولاً تبلغ سرعة طائرات «إف 16» المقاتلة التي تفوق سرعة الصوت ضعف سرعة طائرة النقل العسكرية الروسية سالفة الذكر. وعليه، فإنه من الصعب من الناحية الفنية بالنسبة للطائرات الإسرائيلية المقاتلة أن تتحرك بسرعة الطائرة الروسية نفسها كي تختبئ خلفها. كما أن الطائرات الإسرائيلية كانت تحلق على أدنى ارتفاع ممكن لحماية نفسها من الدفاعات الجوية السورية. والمؤكد أن طاقم الطائرة الروسية كان على ثقة بأنه ليس هناك ما ينبغي له أن يخشاه. ثانياً من المفترض أن تتحرك الطائرات الإسرائيلية والطائرة الروسية بالسرعة ذاتها تقريباً وعلى مقربة بعضها من بعض كي تظهر أمام منظومة الدفاع الجوي السورية «إس 200» على أنها هدف واحد. ويعني ذلك بدوره أن الطائرات الإسرائيلية كانت على مستوى رؤية مباشرة مع الطائرة الروسية. وعليه، كان من المفترض من الأخيرة أن تسارع إلى إخطار قاعدة حميميم الجوية بوجود طائرات إسرائيلية على مقربة شديدة منها. إلا إن القاعدة لم تتلقَ أي إخطار بهذا الشأن. ثم ثالثاً في اللحظة التي وقعت فيها كارثة إسقاط الطائرة الروسية، كانت الطائرات الإسرائيلية خارج الأجواء السورية. في الوقت الراهن، يبقى التساؤل الأساسي حول ما إذا كان الهجوم ضد الطائرة الروسية متعمداً أم إنه نتيجة خطأ وقع فيه القائمون على منظومة «إس 200» للدفاع الجوي المنتشرة في سوريا. وحتى هذه اللحظة، لا تتوافر إجابة واضحة عن هذا التساؤل. وثمة شائعات حول أن الطائرة الروسية ربما أسقطت باستخدام منظومة صواريخ «بوك» الروسية الصنع، مما يستبعد معه فرضية الخطأ، أو على الأقل يقلص احتمالاتها. علاوة على ذلك، فقد جرى إلقاء القبض على الأفراد المسؤولين عن منظومة الصواريخ التي يزعم أنها أسقطت الطائرة الروسية، ويجري التحقيق معهم حالياً. من ناحية أخرى، فإن تحليل الوضع بناءً على ما يعرف باسم «شفرة أوكام» يوحي بأن إسقاط الطائرة الروسية ربما وقع بالخطأ. وتشير التجارب السابقة للغارات الجوية الإسرائيلية إلى أن السوريين لم يتمكنوا قط من التعامل معها في الوقت المناسب، وعادة ما كانوا يفتحون النار باتجاه الصواريخ التي أطلقتها الطائرات الإسرائيلية المقاتلة في وقت تكون فيه الطائرات قد خرجت من مجال الصواريخ بالفعل. وقد يكون هذا الأمر قد تكرر في المرة الأخيرة. وربما سعت منظومة «إس 200» لإسقاط ليس الطائرات الإسرائيلية، وإنما الصواريخ التي انطلقت منها بهدف تقليل أضرارها. ولسوء الحظ، كانت طائرة النقل الروسية تحلق في تلك اللحظة وسقطت ضحية لنيران صديقة. من جانبهم، أشار خبراء عسكريون روس إلى أنه على امتداد الأعوام الثلاثة الأخيرة من الوجود العسكري الروسي في سوريا، لم يعبأ أي من الجانبين الروسي أو السوري بتحديث برنامج (سوفت وير) منظومة «إس 200» بحيث تحدد الطائرات الروسية باعتبارها «صديقاً»، ولا تزال الأسباب وراء ذلك التأخير مبهمة. وربما فعلت القيادة العسكرية الروسية ذلك عمداً لعدم ثقتها بحلفائها السوريين ورغبتها في تأمين الشفرات السرية الخاصة التي تستخدم في تمييز الطائرات الروسية عن غيرها، خشية وقوعها في أيد خاطئة. أو ربما لم يفكر أحد داخل الكرملين في الأمر فحسب. ومع هذا، فإن ذلك يوضح السبب وراء عدم تعرف الأفراد السوريين القائمين على منظومة «إس 200» على طائرة النقل المحلقة باعتبارها روسية. وربما شعرت القيادة الروسية بأنها لم تكن صائبة تماماً في توجيهها اللوم حصرياً إلى إسرائيل عن كارثة إسقاط طائرتها، وبالتالي، جاء نشر منظومة صواريخ «إس 300» في سوريا على نحو غير متوقع كحل يمكن موسكو وأطرافاً أخرى في الصراع من حفظ ماء الوجه بعد تبادل تصريحات جافة بداية الأزمة. ويساعد نشر منظومات إضافية مضادة للطائرات موسكو أمام الرأي العام الروسي على إظهار أن الكرملين لن يتراجع عن وعوده الأولى بـ«معاقبة إسرائيل»، خصوصاً أن قطاعاً واسعاً مما يطلق عليه الرأي العام الوطني الذي يحمل بداخله مشاعر عداء تجاه اليهود، كان ينتظر تحركات حاسمة من جانب الكرملين. والآن، منح بوتين ناخبيه ما كانوا يرغبون فيه. كما لم ترغب موسكو في جذب الأنظار نحو حقيقة أن حليفها السوري يتحمل القدر ذاته من المسؤولية عن مقتل طاقم طائرة النقل العسكري الروسية. وساعدت أنباء نشر منظومة «إس 300» في تشتيت أنظار الرأي العام الروسي بعيداً عن ذلك الأمر. ومع هذا، فإنه عملياً لم يتبدل شيء في توازن القوى الإقليمي. وجرى نشر الوحدات الأربع جميعها في اللاذقية وتستخدم لحماية القاعدة الجوية الروسية والممرات التي تستخدمها القوات الجوية الروسية وليس القوات السورية. وأخيراً، فإن بوتين أمر بنشر منظومات «إس 300» إضافية في سوريا فقط، وليس تسليم هذه المنظومة إلى الجانب السوري. ويرى بعض المحللين أن هذا الأمر ربما لن يحدث أبداً.