“فتش عن إيران”؛ وصفة مجربة بتركيبتها وإن اختلفت في نسبة مكوناتها وعناصرها وأسبابها وعناوين ماركاتها ومنافذ تسويقها وأماكن صناعتها وأساليب تغليفها وأماكن عرضها وتداولها، وما يمكن أن تنتج عنه من أعراض جانبية مخطط وغير مخطط لها.  أحياناً تكون وصفة مميتة، وأحياناً أخرى تحت بند الانتقائية التي ترى في السياسة ما ينقذ النظام، أو ترى في ولاية الفقيه ما يردع السلطة والإعلام ويوبّخ من يقف وراءهما، لأنهما يجهلان المبادئ المرتبطة بالعقيدة والثوابت الفكرية لما قامت عليه الثورة الإسلامية منذ يومها الأول. هناك أيضاً منصب المرشد، وهو منصب ينأى بنفسه عن الدولة وأمراض السياسة والحكم والعلاقات الدولية ويتبرأ، اعتباريا، من مصائب أجهزة الأمن، وما يلحق بالمواطن من حيف وجور وظلم. فالمكانة الخاصة والمتعالية للمرشد ليست مكتسبة من توافقات أرضية، لذلك فإن المرشد في ملكوت آخر سابح في النصح والآراء القطعية ومعاناة إسداء الأوامر والنواهي والمحاذير، وما يسمح به ويترك أمر البت فيه للأحكام الفرعية، مبتعداً عن خوض تطبيقات التفاصيل، لأن ذلك من بعض المسؤولية الملقاة على سلطات الدولة الخبيرة في تنفيذ والتقاط التلميحات الخفية والمبطنة في خُطب المرشد. الولي الفقيه في مرات عديدة ينفصل حتى عن ولايته الفقهية، حين تشتبك الأزمات الدولية بالسياسة الداخلية والخارجية ومع النظام ككل، التي تقع عليها مسؤولية تصاعد الاحتجاجات وتدهور العملة حيث يتعرض الاقتصاد لهزات تجتاح كل خطوط الدفاعات القياسية للفقر والجوع ويبتعد بهما إلى نسبة 70- 80 بالمئة من الشعوب الإيرانية. تجار البازار الكبير في طهران، بمشاركتهم الانتفاضة مع القطاعات الأخرى من أصحاب المهن والحرف والبسطاء والمشردين، يعبّرون عن ظاهرة نوعية تقترب من إجماع شعبي على شاكلة تسونامي مضاد. وهي ظاهرة لم تعد تقتصر على إدانة أو استثناء، كما جرت العادة، ولاية الفقيه أو الفقيه شخصياً، بما يُطرح من شعارات ظهرت أولاً في ديسمبر عام 2017، ثم تحولت إلى يوميات إيرانية عند المسحوقين أو عند طبقة التجار التي تتسارع لتقليل خسائرها أو انهيارها بحماية ثرواتها بوسائل مختلفة والاندماج في الثورة، لكسب ضمانات إنسانية ووطنية تَدّخِرُها لما بعد التغيير، تحسباً لتوقعات انهيار الدكتاتور. فتش عن إيران بين الآلاف والملايين من القتلى والجرحى والأرامل واليتامى النازحين من مدنهم إلى الخيام، أو بين الهاربين من حدود العراق وسوريا وغيرهما من بلدان التمدد المذهبي لمشروع ولاية الفقيه الإرهابي. فتش عن الإرهاب الإيراني في أميركا اللاتينية وعصابات تهريب المخدرات ومافيات السلاح وغسيل الأموال، وفي العمليات الإرهابية بأثر رجعي منذ ولاية الخميني إلى ولاية خامنئي، وكيفية استغلال تلك العمليات في مهمات أمنية واستخبارية وتمويلية لحرسها الثوري لتعويم أهدافها ومناهجها، وخلق فوضى وتداعيات متناثرة يصعب جمعها ورصد أدواتها في التحقيقات الجنائية التقليدية. المدرسة الإيرانية لإرهاب الملالي تنطوي على خاصية نشر مبادئ الثورة ببراغماتية تبيح الاستطرادات في اللامعقول أو خلق المناخات والدلائل والتحليلات في العمليات الإجرامية الصريحة، لتوحي بنفاد النظريات الأمنية الجاهزة في معرفة قرائن الأدلة بموقع الجريمة الإرهابية ودوافعها وما يحيط بها لتوريط من يتورط بها، ولرفع الحرج عن أجهزة الدولة حيث يقع العمل الإرهابي لغلق الملف ومتابعة الإعلام وتقليل خسائر التلويح باستقالة المسؤولين الأمنيين، رغم القلق من خيوط أكثر تعقيداً من أن تتولى التحقيق في الجرائم دولة أو أكثر من الدول المتضررة من سقوط ضحايا بين مواطنيها في التفجير أو الهجوم الإرهابي. فتش عن إيران، بعد أن تحولت أذرعها الإرهابية الميليشياوية إلى برامج سياسية في أكثر من دولة، إضافة إلى أنشطتها الأمنية والاستخبارية بما يرصد لها من أسلحة وتمويل مشبوه المصادر وأسباب انفتاح لعملياتها. الأعمال الإرهابية للنظام الإيراني تنفذ في عالم من فوضى يغطي تعبئة أفراد ومجاميع توفرت على طريق تصدعات الاحتلال الأميركي للعراق، وما تشظت عنه المجتمعات تحت ضربات الإرهاب المذهبي المدعوم عملياً وفي وضح النهار من قبل محور تنظيم الدولة في إيران. التفتيش عن إيران صار كارثة، بعد أن انتقلت بعض التنظيمات في غفلة من ثوابت أمتنا العربية، إلى دول ومشاريع في خدمة أهداف وسياسات الولي الفقيه الإيراني الذي طرح أسهم إرهابه في بنوك استثمارية خارج الأعراف ونواميس العلاقات الدولية عندما سَخّرَ البعثات الدبلوماسية لتنفيذ وقائع الإرهاب في أوروبا والعالم. وقائع ليست جديدة لكنها اكتسبت في فرنسا، مؤخراً، أدلة قطعية عن دور البعثات الدبلوماسية للنظام الإيراني، وجمعيات اتخذت من الحريات الدينية مجالاً لدعم أحزاب وميليشيات وعمليات إرهابية بنوعية متفجرات وتقنيات صناعة متشابهة مع ما عثر عليه عند إحباط الهجوم الذي كان يستهدف الاجتماع الموسع للمقاومة الإيرانية في باريس. الأمة العربية اليوم مستهدفة باستهداف المملكة العربية السعودية إثر اختفاء الصحافي والمواطن السعودي العربي جمال خاشقجي؛ لذا فتش عن إيران في قطر؛ فتش عن إيران في كل تصرفات الإخوان المسلمين. فتش عن إيران في المأزق النووي والاقتصادي مع الولايات المتحدة الأميركية. فتش عن إيران في ثرثرة إعلام قطر وفي صمت إعلام النظام الإيراني في قضية اختفاء المواطن والصحافي السعودي. فتش عن خفايا معادلة الصراع الإيراني العربي على وجود أمتنا؛ فتش عن ثنايا إيران في الخطابات الأميركية للرئيس دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية المقبلة، وما يطرحه من فتات توازنات في المنطقة تتلقفه إيران لتساوم به تراجعها السياسي للدخول في مفاوضات تطبيق الـ12 شرطاً أميركياً لإلغاء العقوبات وإعادة بناء الثقة في البرنامج النووي الإيراني. فتش بين عذابات شعوبنا ومأساة ما تعرضت له من مهانة وإذلال وتشرد، لتعثر على صندوق أسود في حقائق الإرهاب الإيراني وحطامه. الصندوق الذي اختفت معه وبأسراره وأهدافه أجزاء مهمة من أمتنا التي ما زالت تقاتل ببسالة على جبهة شرسة وبكل الاتجاهات للإبقاء على وجودها أرضا وإنسانا بسجايا عربية وإسلامية حقة وسمحاء. سجايا كانت عبر التاريخ مثابات تذكير عندما تختل موازين الإنسانية أو تختفي قيمها العليا السامية؛ عندها فقط فتش عن العرب.