ترامب.. التصعيد المرتقب في السياسة الخارجية

تاريخ النشر: 2018-11-24 09:01
مع سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس النواب الأميركي، ازدادت التساؤلات حول إمكانية حدوث تغيّر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال الفترة القادمة.

بصورة عامة، يبدو تأثير مجلس النواب الأميركي على السياسة الخارجية الأميركية ضعيف للغاية. يتمتع موقع الرئاسة في الولايات المتحدة بسلطات واسعة تُخوّل له اتخاذ القرارات بصورة منفردة مهما كانت مثيرة للجدل، ومن دون أن تحظى بإجماع الحزبيْن الجمهوري والديمقراطي. حتى الحزب الجمهوري لم يتمكن من التأثير على قرارات الرئيس ترامب بما يخصّ السياسة الخارجية خلال العامين الماضيين. على سبيل المثال كان نقل السفارة الأميركية للقدس محلّ جدل وخلاف، ولم يكن هنالك أغلبية مؤيدة داخل الحزب الجمهوري. مع ذلك مضى الرئيس الأميركي قُدماً ولم يلتفت للأصوات المعارضة من كلا الحزبين. ينطبق الأمر على طريقة إدارة ترامب لملف العلاقات الروسية- الأميركية ولتدخّل فلاديمير بوتين بالانتخابات الأميركية، حيث يفضل الحزب الجمهوري التصعيد مع روسيا، فيما يتمسك الرئيس الأميركي باستراتيجية غير تصادمية.

بهذا المعنى لا يملك الكونغرس الأميركي سلطة إجراء تغيير جذري على سياسة ترامب الخارجية، أو إلغاء بعض القرارات المثيرة للجدل والتي اتخذها الرئيس خلال فترة ولايته، كالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ أو الانسحاب من اتفاق إيران النووي.

كل ما يمكن أن يفعله الكونغرس الأميركي يتعلّق بفرض رقابة مشددة على السياسة الخارجية للرئيس الأميركي بما يدفعها نحو مزيد من الشفافية. يمكن للكونغرس أن يجبر المسؤولين الأميركيين على المثول للإدلاء بشهاداتهم حول ملفات عديدة لا تتوفر معلومات حولها بسبب انتهاج إدارة ترامب السرية التامة بهذا الخصوص. يشمل ذلك لقاءات الرئيس الأميركي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتفاصيل العلاقات الروسية الأميركية، ولقاءه مع زعيم كوريا الشمالية، وما جرى في ذلك اللقاء الذي حضره الزعيمان بمفردهما من دون المستشارين والمسؤولين.

وفضلاً عن ذلك، من المتوقّع أن تكون علاقات الإدارة الأميركية مع دول المنطقة محلّ تدقيق واستجواب متكرر، ويشمل ذلك الدور الأميركي في سوريا واليمن واستراتيجية واشنطن لمواجهة داعش والقاعدة وإيران. قد تؤدي تلك الضغوط لإجراء تعديلات معيّنة على السياسة الخارجية الأميركية بما يخص بعض الملفات ولكن من دون تغيير مسارها.

على أن التصعيد الأكبر بما يخص سياسة ترامب الخارجية قد يظهر على مستوى الملف الإيراني. نفّذ الرئيس الأميركي وعده الانتخابي بإنهاء الاتفاق النووي مع إيران مطلع هذا العام، واتبعه قبل أشهر بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران. يبدو التصعيد في الملف الإيراني مطروحاً لسببين.

يرتبط السبب الأول بصعوبة نجاح خطة الرئيس الأميركي بدفع إيران نحو تقديم التنازلات القاسية المطلوبة. إذ تعتمد واشنطن على زيادة حدة العقوبات الاقتصادية وإجبار دول العالم على مشاركتها في فرض تلك العقوبات بصورة تتسبب بخنق الاقتصاد الإيراني، وتدفع نحو اضطرابات داخلية تضعف النظام وتتسبب إما بانهياره وإما بقبوله تقديم تنازلات حقيقية تنهي البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية.

من المستبعد أن يحدث أي من هذين السيناريوهين. فرغم الاحتجاجات الشعبية المتقطعة يبدو النظام ممسكا بزمام الأمور ويبدو التياران الرئيسيان، الإصلاحي والمحافظ، متحدين ضد تلك الاحتجاجات. على المستوى الآخر تتمسك طهران بطموحها النووي باعتباره الضمانة الرئيسة لبقاء نظامها في بيئة خطيرة، ولكن أيضاً في ظل رغبته في التوسع بما يزيد من المخاطر الوجودية المحدقة به. يقود كل ذلك سياسة الولايات المتحدة الحالية إلى طريق مسدود ويدفعها، في نهاية المطاف، نحو التصعيد.

الأمر الثاني الذي يزيد من احتمالية التصعيد ضد إيران يتعلق بسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب وما هو متوقّع من ارتفاع وتيرة الخلافات الداخلية مع دونالد ترامب، ويشمل ذلك تشديد متابعة التحقيقات الجارية حول ملف التدخل الروسي في الانتخابات ودور إدارة ترامب في ذلك، أو تورط الأخير بدفع مبالغ مالية كبيرة للتغطية على فضائح جنسية قبيل الانتخابات الرئاسية. هكذا، يمكن أن يلجأ ترامب للتصعيد في السياسة الخارجية لتخفيف حدة الهجوم الداخلي على إدارته.

يعتبر الملف الصيني أيضاً من الملفات الأخرى المرشحة للتصعيد. وبخلاف الملف الإيراني، يجمع الجمهوريون والديمقراطيون على ضرورة التصدي لـ”الخطر الصيني” وهو ما يجعل التصعيد مرجّحاً.

يتفق الجانبان على ضرورة زيادة التواجد العسكري للولايات المتحدة في آسيا، وعلى التمسك بالتعرفة الجمركية الكبيرة التي فرضتها إدارة ترامب على المنتجات الصينية القادمة للولايات المتحدة، وعلى ضرورة تطوير استراتيجية تحدي للنفوذ الصيني المتسع وخصوصا في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

بهذا المعنى، من المتوقع أن تتجه السياسة الخارجية الأميركية نحو التصعيد خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس دونالد ترامب تحت ضغط التحولات الداخلية المتمثلة بسيطرة الديمقراطيين على السلطة من جهة، وتحت ضغط التحوّلات العالمية التي تجبر واشنطن على التحرك في حال أرادت الحفاظ على موقعها المهيمن من جهة أخرى.

صحيفة العرب اللندنية


إقرأ أيضاً