أورينت تكشف خفايا مصادرة نظام الأسد لممتلكات رجال الأعمال في سوريا

أورينت نت: هاني البيات – يحيى الحاج نعسان
تاريخ النشر: 2019-02-09 08:40
رقم صادم كشفته مؤخراً وسائل إعلام موالية، عمن صادر نظام الأسد أموالهم وممتلكاتهم بحجة "تمويل الإرهاب"، ففي عامين فقط (2016 و2017) تمت مصادرة أملاك حوالي 70 ألف شخص معظمهم من التجار ورجال الأعمال، وفق إحصائيات لوزارة المالية نشرتها صحيفة "الأيام" المقربة من النظام.

واستناداً إلى الرقم المذكور فإن الأرقام الحقيقية منذ بداية الثورة إلى يومنا هذا أكبر بكثير، فلم يسلم معظم رجال الأعمال والتجار في سوريا من سياسة السطو و"التشليح" التي انتهجها نظام الأسد.

أسباب ظاهرها "الإرهاب"
يعتمد النظام على قائمة من التهم الجاهزة والتي على أساسها يصدر قراراته بمصادر أملاك وأموال التجار، ومن أبرز هذه الاتهامات، "القيام بتمويل مجموعات إرهابية في القطر والتآمر على كيان الدولة، وزعزعة استقرارها الداخلي، والقيام بأعمال تستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي".

ولكن الأرقام الضخمة والشخصيات المستهدفة تترك علامات استفهام كثيرة حول الأسباب الحقيقية، وراء قرارات المصادرة والحجز المستمرة على أموال رجال الأعمال منذ بدء الثورة وحتى اليوم.

وفي هذا الصدد، كشف العديد من التجار ورجال الأعمال الذين تحدثت "أورينت نت" معهم، أن النظام حاول ابتزازهم وتهديدهم عبر أجهزته الأمنية منذ بداية الثورة، ليضغط عليهم من أجل تمويل ميليشيات "الشبيحة".

ولفت التجار الذين فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب سيكشفها أحدهم لاحقا، إلى أنهم رفضوا مطلب النظام وقرروا الهروب من سوريا، بعد أن تفاجؤوا بوضع إشارات حجز على أملاكهم، وتحويل ملفات البعض منهم إلى محكمة "الإرهاب".

بدوره، قال التاجر (مازن السعيد) الذي وافق على الحديث باسم مستعار، "إنه بعد خروج رجال الأعمال والتجار من البلد، تم التواصل مع أغلبهم من قبل مسؤولين في نظام الأسد لمساومتهم على العودة، وبحث موضوع أموالهم المصادرة مقابل التصالح مع نظام الأسد".

وأضاف (السعيد) أن معظم التجار ورجال الأعمال مازالوا يأملون باستعادة أملاكهم المصادرة، موضحا أنه لهذا السبب يرفضون البوح بأسمائهم، إضافة إلى أن بعضهم لديه أقرباء في سوريا ويخشى عليهم من بطش النظام.

وأكد المحامي المتخصص بالقضايا التجارية ذات الطابع الدولي (بسام طبلية)، ما ذهب إليه رجال الأعمال والتجار السوريون، مضيفا إلى ما قالوه، سببين آخرين وراء قيام نظام الأسد بمصادرة أموال التجار وممتلكاتهم.

- سبب داخلي، حيث يريد النظام التخلص من جميع رجال الأعمال والتجار الذين لم يقدموا له دعما حقيقيا، أو لم يرضخوا لسلطته بشكل مطلق.

- سبب خارجي، يتعلق بضغط من إيران على نظام الأسد لمصادرة أموال السوريين لمصلحتها حتى تتمكن من السيطرة بشكل كامل على الاقتصاد السوري، وتُصعّب أي محاولة لإخراجها مستقبلا من سوريا، سواء من قبل أمريكا أو من قبل روسيا.

وما يعزز وجود دور إيراني وراء ملاحقة رجال الأعمال والحجز على أموالهم، هو توقيع نظام الأسد في 29/1/2019، (11) اتفاقية اقتصادية مع إيران في مجالات مختلفة.

ومن ضمن الاتفاقات الموقعة مع إيران، بحسب صحيفة الوطن الموالية، مذكرة تفاهم بين هيئة مكافحة غسيل الأموال و"تمويل الإرهاب" لدى النظام ووحدة التحويلات المالية الإيرانية بشأن التعاون في تبادل المعلومات المرتبطة بغسيل الأموال و"تمويل الإرهاب".

وأوضح (طبلية) صاحب شركة "شام" للمحاماة في المملكة المتحدة، أن نظام الأسد يلجأ إلى أسلوبين ظاهرهما قانوني من أجل تبرير ما يقوم به من مصادرات لأموال السوريين بشكل عام ورجال الأعمال منهم بشكل خاص، وهما "الاتهام بتمويل الإرهاب أو مشروع قانون الحجز الاحتياطي"، وذلك لإعطاء صبغة شرعية لهذه الأعمال، والتي ظاهرها قانوني وحقيقتها سياسية وانتقامية.

لماذا الحجز على أموال المقربين؟
لم تعد مسألة الحجز على الأموال والممتلكات تتعلق برافضي الاصطفاف إلى جانب النظام، بل طالت العديد مؤخرا من داعميه والمقربين منه.

وبحسب موقع "الاقتصادي"، فإن وزارة المالية التابعة لنظام الأسد أصدرت قراراً بالحجز الاحتياطي على أملاك عديل (ماهر الأسد) محمود عنزروتي وإخوته، كما أن هناك حديثاً عن صدور قرار بالحجز الاحتياطي على أموال رجل الأعمال (بشار كيوان) الذي كان شريكاً لابن لواء المخابرات وسفير النظام سابقا في الأردن (بهجت سليمان).

ووفقا للموقع المذكور فقد شمل قرار الحجز ذي الرقم (3448) الأموال المنقولة وغير المنقولة لعائلة (عنزروتي)، دون إيضاح الأسباب، بالإضافة إلى 6 شركات عائدة للعائلة، أبرزها شركة تنمية الصناعات الغذائية "كتاكيت"، وعدة عقارات و115 سيارة.

وعزا التاجر (مازن السعيد) هذه المصادرات الأخيرة بحق رجال أعمال مقربين، إلى أن نظام الأسد لا يهمه المعارضون أو المقربون، فهو عندما يشعر بأنه بحاجة إلى المزيد من الأموال يصدر قرارات بمصادرة أو حجز ضد كل من يتباطأ بالدفع أو يرفض الرضوخ لجميع مطالبه.

ومن جانبه، أكد المحامي الدولي (بسام طبلية) أن نظام الأسد يمر بأزمة مالية كبيرة حالياً لذلك يلجأ إلى الضغط حتى على رجال الأعمال المقربين منه لحل سيل الأزمات التي يواجهها، داخليا وخارجيا.

في حين اعتبر مصدر مطلع "لأورينت نت"، رفض الكشف عن هويته، أن قرارات الحجز التي صدرت مؤخرا بحق عائلة (عنزروتي) وهمية، وأن الهدف منها ابتزاز تجار آخرين وإثارة الرعب في قلوبهم حتى يبادروا لتنفيذ كل ما يطلب منهم، من تقديم أموال وخدمات لنظام الأسد.

ويوافق المصدر على ما يقال بأن (بشار الأسد) يقوم بمصادرة أموال وممتلكات التجار لأنه يمر في أزمات داخلية، وهمه الوحيد نهب كل ما يستطيع نهبه من السوريين هو وزمرته. 

وفي مقابلة أجراها مدير عام شركة "جنتي" للمواد الغذائية (أحمد عنزروتي) مع موقع "الاقتصادي"، قال معترفا بحدوث الحجز "إن سبب الحجز الاحتياطي ما زال غير معروف، لافتاً إلى عدم القيام بأي مخالفة تستدعي هذا القرار والذي من شأنه أن يؤثر على مئات العاملين وعائلاتهم".

وذكر أن قرار الحجز احتياطي ليس تنفيذيا، ولكن في حال تم تطبيقه فستتأثر عائلات مئات الموظفين إذ يوجد في شركة "جنتي" وحدها 200 موظف.

الاقتصاد السوري بين الأسد الأب والابن
أرجع الباحث الاقتصادي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية (خالد تركاوي)، المشكلة الاقتصادية في سوريا إلى جذورها التي بدأت مع الأسد الأب، حيث تبنى النظام الاشتراكي، وسلّم الجيش والأمن مفاتيح الاقتصاد في البلاد، عبر مؤسسات مثل، الإسكان العسكري ومؤسسة معامل الدفاع وإدارة المشاريع الإنتاجية وغيرها.

وقال "إنه مع قدوم الأسد الابن، أدار ظهره للاشتراكية وتبنى اقتصاد السوق الاجتماعي، مما أعطى الضوء الأخضر لخروج الأموال التي خزنها ضباط الجيش والأمن في البنوك بفوائد عالية أو في أماكن أخرى على شكل ذهب أو عقارات. وهنا ظهرت طبقة جديدة من رجال الأعمال دخلت السوق وسيطرت على مختلف مفاصل الاقتصاد السوري، معظمهم من أبناء الضباط والقادة الأمنيين".

وبناء على ذلك، يرى الباحث الاقتصادي، أن قرارات الحجز التي يقوم بها النظام يتم تحريكها من قبل رجال الأعمال من داخل النظام حيث يعتبرون أول المستفيدين من هذه الإجراءات".

ويعتقد أن رجال الأعمال والتجار الذين أسسوا جمعيات وكتائب ولجانا شعبية مولت لسنوات طويلة ولا تزال تمّول نظام الأسد (رامي مخلوف مثلا)، بدؤوا يبحثون عن استعادة نفوذهم وأموالهم، مع سيطرة الأسد على غالبية الأراضي السورية وبسط سيطرته على معظم المدن.

ويستند الباحث الاقتصادي (تركاوي) في رأيه، على أن رجال أعمال مقربين وموالين كـ (سامر فوز) والذي استفاد من الحجز الحاصل على أموال وممتلكات عائلة (غريواتي وحمشو) سابقا، لا بد أنه هو وأمثاله من دفع باتجاه هذه القرارات للسيطرة على معامل التجار بأرخص الأسعار وإعادة تشغيلها، فضلا عن أن ذلك يخلي لهم ساحة الاقتصاد السوري بإخراج رجال أعمال كبار من السوق".

وتوقع أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدا من المصادرات والتصفيات الاقتصادية، مشيرا إلى أن عقلية النظام وزمرته، التي تعتمد على الصراع الصفري، لن تقبل إلا بأن تسيطر على كل شيء وتمسك مفاصل كل شيء.

شرعية الاختباء بقانون "الإرهاب"
إن اختباء نظام الأسد خلف قانون "مكافحة الإرهاب" رقم 19 الصادر عام 2012، في الإجراءات المتخذة ضد معظم التجار ورجال الأعمال، لا يعني أنه مقبول سواء داخليا أو خارجيا من وجهة النظر القانونية.

وهنا يكشف المحامي (فهد القاضي) عضو هيئة القانونيين السوريين، أن قيام نظام الأسد بحجز أموال التجار خلال سنوات الثورة، سواء كان الحجز احتياطياً أو فعلياً تحت بند "تمويل الإرهاب" يعد مخالفاً للدستور السوري والقانون الدولي الإنساني معا.

وقال، "إن قانون "تمويل الإرهاب" هو قانون عرفي استثنائي، تم وضعه من قبل بشار الأسد عام 2012 عندما أعلن إيقاف العمل بقانون الطوارئ واستبدله "بقانون الإرهاب" الذي ألغى عمل الدستور".

ولفت (القاضي) إلى أن المادة 15 من دستور 2012 الذي أقره بشار الأسد حينها تنص، بأن الملكية الخاصة مصانة لا يجوز المساس بها، ولا تفرض المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي مبرم، وهو مالا يمكن منطقا وواقعا، إذا ما نظرنا إلى العدد الكبير المشار إليهم في الإحصائيات، والواقع الحالي الذي تمر به البلاد. 

وأكد (القاضي)، أيضا، أن قرارات النظام تخالف القانون الدولي واتفاقيات جنيف الأربعة التي تعتبر الملكية حقا أساسيا من حقوق الإنسان لا يجوز المساس به. 

وأما المحامي الدولي (طبلية) فيعتبر أن اعتماد النظام على قانون "مكافحة الإرهاب" غير مقبول لسببين؛ الأول لأن نظام الأسد فاقد للشرعية أو أن شرعيته، غير مكتملة على أقل تقدير كون المجتمع العربي والدولي لم يعترف به سياسيا حتى الآن، دون تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالحل السياسي في سوريا.

وأما السبب الثاني هو أن هناك حق آخر مكفول للإنسان بالقانونين الدولي والمحلي وهو حق التقاضي والدفاع، وهو ما لا يتوفر في سوريا.

واتفق المحامي الدولي المتخصص بالقضايا ذات الطابع التجاري مع ما ذهب إليه زميله (فهد القاضي)، وهو أن حق الملكية مصان في القانون الدولي الإنساني وفي الدستور السوري، ولا يجوز المساس به.

وأوضح أنه من خلال النصوص القانونية وعدد الأرقام الضخم للذين صدر بحقهم الحجز على أموالهم، فإن ذلك يعزز صحة ما ذهب إليه التجار بأن العملية هي عبارة عن "بلطجة" تقوم بها السلطة الحاكمة لابتزاز السوريين وتشليحهم أموالهم بالإرهاب المرتكب من قبل السلطة في سوريا ضدهم، وليس العكس.

الحملات الإعلامية القانونية والسياسية كحل!
رغم أن نظام الأسد يضرب بعرض الحائط القرارات الأممية ذات الصلة بالحل في سوريا بشكل مستمر، منذ بدء الثورة ويتهرب من تطبيقها، ورغم أن سيطرته على معظم المدن السورية، خلال العام الماضي، بمساعدة حليفيه الروسي والإيراني، تدفع به إلى مزيد من "العنجهية" في مواجهة السوريين والتنكيل بهم، ولكن تبقى هناك نوافذ عديدة أمام السوريين عامة ورجال الأعمال خاصة للعمل عليها، يمكن أن تحد من غطرسة النظام واستهتاره بحقوقهم.

ويمكن أن تكون الحملات الإعلامية المنظمة في مجالات قانونية وسياسية هي إحدى تلك النوافذ، خاصة وأنها أثبتت مؤخرا أنّ لها مفاعيل ناجعة في عدة ملفات، فقد أثمرت هذه الحملات وأرغمت نظام الأسد إلى تعديل القانون رقم (10)، المعروف لدى السوريين بقانون "مصادرة أملاك معارضي النظام"، وانتقاده دوليا حتى من روسيا الحليفة.

كما ساهمت هذه الحملات بتبني الولايات المتحدة قبل أيام لقانون جديد باسم (قيصر) يوجب على الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على أي شخص أو شركه تمول نظام الأسد في قتاله المستمر ضد السوريين.










إقرأ أيضاً