أمير سعودي يكشف خفايا الساعات الأولى لتولي بشار ودوره في اغتيال الحريري

تاريخ النشر: 2019-02-06 13:34
كشف الأمير (بندر بن سلطان) رئيس الاستخبارات السعودية وأمين عام مجلس أمنها الوطني وسفيرها الأشهر لدى الولايات المتحدة في حوار مطول لصحيفة (اندبندنت عربية) -تنشره على شكل أجزاء-، عن طريق مساعدة السعودية لبشار الأسد كي يوسّع علاقاته الدولية بعد موت والده حافظ إضافة إلى خفايا الزيارات التي جمعت بشار مع المسؤولين السعوديين بشأن قضية اغتيال (رفيق الحريري).

وقال (بن سلطان) معلقاً على مافعلته السعودية لبشار بالقول "لم يبق شيء يمكن أن تفعله السعودية أو الملك عبدالله أو أنا لـ الولد هذا (في إشارة لبشار) حتى نضمن بقاء سوريا قوية ونظامها قوياً إلا فعلناه".


بعد حافظ

في حديثه عن الساعات التي تبعت موت حافظ الأسد واللحظات الأولى للعزاء وعن اللقاء الأول بين الملك السعودي الراحل (عبدالله بن عبدالعزيز) ببشار الأسد، وكيف اضطر الملك (عبدالله) لتمديد إقامته في دمشق لضمان أن بشار ليس بحاجة لمساعدة أو تعرضه لتهديدات من "حزب البعث" أو قيادات الجيش في سوريا. 

قال "قرر الملك فجأة تمديد إقامته في سوريا، وأخبرني أنه قال لبشار اسمع، كنت أنوي العودة إلى المملكة الليلة، لكنني سأنام هنا الليلة. 

وسأرسل لمصطفى طلاس واللواء حكمت الشهابي - رئيس هيئة أركان الجيش السوري في عهد حافظ الأسد - ونائب الرئيس عبدالحليم خدام لأؤكد عليهم أننا نقف مع بشار الأسد، ولا نقبل بأن يلعب أحد بذيله معك، ولكي يقف رجال والدك كلهم إلى جانبك".

ويسرد الأمير تفاصيل حديث الملك مع بشار، على لسان الملك عبدالله ويقول "سألته هل أرسل الأميركيون وفداً، قال نعم مادلين أولبرايت - وزيرة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بيل كلينتون - ستصل غداً متأخرة وتغادر بعد التعزية. قال الملك نريدها أن تبقى، قال بشار: ولكنهم قالوا إنها ستغادر...أمرني الملك بالاتصال بالرئيس الأميركي بيل كلينتون، كي يطلب من أولبرايت البقاء في سوريا والاجتماع ببشار الأسد بعد مغادرة المعزين. قال كلينتون لي: هل هي ضرورية؟ قلت نعم. قال أخبرها، قلت له يا رئيس أنت تخبرها".


طلبات بشار بلقاء شيراك وكلينتون

في هذا الإطار، يضيف أنه بعد شهرين من صعود بشار إلى سلم الحكم، واستقرار الأمور السياسية في سوريا، طلب منه الملك (عبدالله) الذهاب إلى دمشق ولقاء بشار، ويقول الأمير (بندر) "ذهبت فعلاً، واستقبلني بشار بطلبات ... ترتيب زيارة له إلى فرنسا وطلب مقابلة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وقال إنه لا يعرف كيف يحصل على دعوة. سألته أين تريد أن تذهب؟ قال باريس ولندن. قلت له سأستأذن من الملك.

ويواصل حديثه عن بشار  "وجّهني الملك بلقائهما (شيراك وبلير)، والقول إننا ننصح بلقاء بشار.. ذهب بشار إلى باريس واستقبل استقبالاً لائقاً، ثم انتقل إلى بريطانيا واستقبله رئيس الوزراء. وبعد هذه الزيارات بدأ يتغير، وبدأ يتسلل البرود فيه وفي تعامله معنا".


أمريكا ومحادثات السلام

وأضاف "طلب مني الملك عبدالله من جديد الذهاب إلى دمشق، لإخبار بشار الأسد بأن الجانب الأميركي يلح على فتح موضوع محادثات السلام والجولان. ذهبت وسألته هل قررت شيئاً، لأنهم يسألون، أو ما رأيك أو قرارك حتى نستطيع المساعدة، قال لي لا أحبّذ (ماني هاضم) - وهنا تحدث الأمير بلكنة سورية مقلداً بشار حين قال العبارة السابقة -  موضوع المباحثات كاملة".

تدريجياً بدأ بشار يقوم بتصرفات غريبة، بدأ يزور إيران وبدأت تحصل تحركات غريبة لسوريا في لبنان، شعرنا أن هناك شيئاً ما، لكن الملك قال "أهل مكة أدرى بشعابها"، إذا كانت هذه العلاقات والتحركات تخدم بلاده فهو أدرى.


اغتيال الحريري

 بدأت قصة اغتيال رئيس الوزاء الأسبق رفيق الحرير وفق (بندر) مع الحديث عن قضية التمديد للرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود والتمديد له.

وأوضح في هذا الصدد "نجح الحريري في إقناع النائب  - في حينها -  وليد جنبلاط ونبيه بري وبعض المسيحيين بأنه لا ينبغي التمديد لإميل لحود. فذهب مدير الأمن العام اللبناني جميل السيد إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري (بإيعاز من بشار) ، ويبدو أن الزيارة كانت للتهديد، وبعد اللقاء بين جميل السيد ونبيه بري، أعيد التصويت ووافقوا على التمديد للحود. رفيق الحريري غضب واستقال، وعيّن سليم الحص رئيساً للوزراء، وجرت انتخابات بعد فترة، عمل فيها رفيق الحريري الغاضب، بجهد مع المسيحيين والدروز والسنة، وخرجت النتيجة بأغلبية لصالحه. الأحداث معروفة، جن جنون السوريين، ونقلوا رئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان، وأصبح وزير داخلية، وتم تعيين اللواء رستم غزالي كبديلٍ عنه. وتلقى رفيق الحريري تهديداً بالقتل، فاستقل طائرته وجاء إلى السعودية وأخبر الملك عبدالله بما حدث".

ويكمل الأمير سرد القصة  "كان رفيق الحريري في إجازة، وأصيب في يده، جاءه رستم غزالي وقال له الرئيس بشار الأسد يريدك فوراً، فتشاور مع أكثر من شخص، وليد جنبلاط قال له لا تذهب للأسد، عد إلى السعودية لفترة، وقال له نبيه بري إن ذهبت وحدث لك شيئ فهم المسؤولون. واستقال الحريري وقرر الذهاب لدمشق، وقبل أن يذهب التقى بعبدالحليم خدام الذي طلب منه عدم التعليق على ما يقوله له الأسد وقال له بعد أن تلتقيه عد إلى بيروت ثم اذهب إلى المملكة، لأنني أرى تحركات واجتماعات مريبة. وكان خدام يقصد اجتماع بين بشار والأجهزة الأمنية وأطراف أخرى".

ويضيف "عند دخوله على بشار الأسد، لم يجد الحريري وزير الخارجية فاروق الشرع أو عبدالحليم خدام، بل وجد غازي كنعان - الذي انتحر بثلاث طلقات في رأسه لاحقاً ولأول مرة نعرف أن شخصاً ينتحر ثم يضع المسدس على المكتب. مات جميع الضباط لاحقاً، وتم إخفاء كل دليل مادي يوصلك إلى من قتل الحريري- قصة الأسد مع الحريري معروفة، بدأ الأسد بالشتم والهجوم وقال له نفّذ كل ما يطلبه منك لحود واذا كنت تعتقد بأن علاقتك مع الملك عبدالله والسعودية، وجاك شيراك ستحميك "والله لأطبق لبنان على رأسك أنت ووليد جنبلاط".

وأضاف "من كثرة الشتم والتهجّم عليه نزف الحريري دماً من أنفه نتيجة للشحن والضغط الذي تعرض لهما بعد ما سمعه من كلام وتهديد. مر خدام بالحريري وقال له: ألم أقل لك؟ فرد الحريري، سأستقيل ولن أتحدث مع أحد، لكنني لن أخرج من لبنان. توجه الحريري إلى جنبلاط وأخبره بما حدث، وبعد هذه الحادثة بأسابيع وقع تفجير واغتيل الحريري، واتصل الملك عبدالله ببشار وأسمعه كلاماً قاسياً، وكان بشار يقسم بالله بأن لا دخل له، فجاء رد الملك: إن لم يكن لك علاقة بالموضوع إذاً سلّم من لهم علاقة، نعرف جميعاً أنه لا يمكن أن يحدث شيئ في لبنان دون تدخل منك. وطلب الملك تسليم المطلوبين".

وتابع قائلاً "طلب مني الملك عبدالله الذهاب إلى بشار الأسد، وهذه كانت المرة قبل الأخيرة التي أراه فيها تقريباً. فتوجهت إليه في دمشق، وقلت له تعاون مع المحكمة الدولية. فأجابني: "أخ بندر ما فيه دليل، شو الدليل". قلت له: هذا يعود للمحققين، لدينا علم بالزيارة الأخيرة لرفيق الحريري وماذا قلت له. فرد بشار: غير صحيح، جاء وقال إنه يريد أن يستقيل قلت له هذا أمر يعود لك واستقال. قلت له: غير صحيح، هو استقال ثم جاء إليك بعدها".


الزيارة الأخيرة لبشار 

يروي الأمير (بندر) قصة الزيارة الأخيرة لبشار الأسد باستدعاء من الملك عبدالله ويقول "وفي آخر زيارة له للسعودية، وبحضور الأمراء الراحلين سلطان ونايف وبحضور الملك سلمان – الذي كان أميراً في ذلك الوقت - أتى الأسد ومعه فاروق الشرع، وكانت الإشكالية لبنان، ومقتل رفيق الحريري وتسليم الضباط للأمم المتحدة. فقال بشار للملك عبدالله يا جلالة الملك، الحقيقة أنا لست عاتباً ولكن اللبنانيين سيئون ويقول صحفيوهم بأنك مستاء مني، وبأنك تقول عني أحياناً كلاماً (مش طيب)- الأمير يقلد مجددا كيف يتحدث بشار باللهجة السورية -. الأمير سلطان بن عبدالعزيز ابتسم، ولم يظهر الأمير نايف أي ملامح، وبدأنا جميعنا نلتفت إلى الملك منتظرين ما سيقوله. فقال له الملك عبدالله: بشار أنا أعرف عمك قبل والدك، ثم عرفت والدك، ولا تستطيع أن تقول عنه أي شيء غير أنه (حافظ) صادق، لم يكذب أبداً. أما أنت، فكاذب ثم كاذب ثم كاذب، كذبت على بندر وكذبت عليّ وأنا أسامح في كل شيء إلا من يكذبون عليّ… تفاجأ بشار برد فعل الملك ورده، وقال مرتبكاً: لكن يا جلالة الملك أنا رئيس العربية السورية ...أنا رئيس العربية السورية. فقال الملك منفعلاً وإن كنت رئيس سوريا؟ أنت كاذب وليس عندي ما أضيفه. ثم قام الملك وخرج".


اتهام السعودية بتدمير سوريا

تتهم دول عربية وغربية السعودية بالتسبب في دمار سوريا منذ اليوم الأول لخروج المتظاهرين في درعا، وذلك بدعمها لفصائل عدة، ويُتهم الأمير (بندر بن سلطان) بالمساهمة في نشوء تنظيمات إرهابية ومنها تنظيم "داعش"، في حين أن الأمير السعودي يرفض أي زج باسم السعودية في تدمير سوريا أو السعي لذلك، ويقول إنه في عام 1998 بدأ ولي العهد السعودي وقتها عبدالله بن عبدالعزيز - الملك الراحل - جولة عالمية بين الشرق والغرب، ووسط هذه الجولة توقف في نهاية صيف ذلك العام في جزيرة هاواي بعد أن أنهى زيارة رسمية للولايات المتحدة - كان الملك عبدالله وقتها يتولى إدارة شؤون الدولة بتكليف من الملك فهد – ووصله طلب استنجاد سوري بسبب حشود تركية عسكرية ضخمة على حدودها الشمالية.

يقول الأمير (بندر) "أزمة تركيا وسوريا في 1998 معروفة، حين وصل طلب الاستنجاد طلب الملك مني إرسال رسالة عاجلة لحكومة بيل كلينتون تحمل طلب التدخل الفوري لوقف "العربدة التركية" حسب وصف الأمير عبدالله آنذاك، وكان في الرسالة أن الرياض تقف مع دمشق في أي هجوم تتعرض له.


بوتين والتدخل في سوريا

يقول الأمير (بندر) إنه في عام 2012 التقى بـ (بوتين) وسأله الأخير عن سبب اهتمام السعودية ببشار الأسد، فرد (بندر) أن السعودية ليست مهتمة بل خائفة أن يكون (بوتين) هو المهتم.

ويضيف "قلت له يا رئيس بوتين نحن لسنا مهتمين، نحن خائفون من أن تكون أنت مهتم. أنت اتركه وشعبه سيتعامل معه. ضحك بوتين ثم قال: أنت الآن مقتنع أنني مهتم بهذا؟ قلت نعم متخوفون من ذلك وقال لي بوتين بعدها: سيرغي لافروف – وزير الخارجية الروسية - سيأتيك لاحقاً وتجتمعون وعندنا اقتراحات وأعتقد أنها 4 اقتراحات، لكن أنتم السعوديين الآن تدفعون الثمن...ثمن تضخيم دور بشار، أنتم من كبّر رأس الأسد وذهبتم به إلى باريس ورتبتم له زيارة مع شيراك ثم إلى لندن، هل تعلم أنني دعوته أكثر من مرة لزيارة موسكو ولم يأتِ. لكن أنا باق هنا، وستأتي اللحظة التي يأتي فيها بيديه وقدميه حبواً إلينا، وفي تلك اللحظة سنرى".


مقترحات الروس للأزمة في سوريا والموافقة على تنحي بشار

جاء (سيرغي لافروف) فعلاً للأمير (بندر) وفق قوله، وعرض عليه 4 نقاط، وهي أولاً موقف روسيا وطلباتها فيما يتعلق بالأزمة السورية وهي الموافقة على تنحي بشار الأسد، ثانياً تحديد الجهة التي من الممكن أن تستقبله هو وعائلته واقترحت موسكو الجزائر، وثالثاً أن لا تطاله المحكمة الدولية، ورابعاً الاطلاع على من سيتكفل بالمصاريف في مقر إقامته.

وقبل أن يتحدث (بندر) عما حدث بعد عرض النقاط الأربع


ينتقل الأمير بعد هذه المعلومة للعودة للحديث عن النقاط الأربع ورد السعودية عليها ويقول : "قلت له: لافروف، نتفق معك على النقطة الأولى في تنحي الأسد، الثانية لا علاقة لنا بها ولا يمكن أن نقترح على الجزائر أن تستضيفه،  النقطة الثالثة المحكمة الدولية تعود للأمم المتحدة ولا دخل لنا بتحديد المحاكمة من عدمها، النقطة الرابعة من يدفع تكاليف إقامته لو وافقت الجزائر مثلاً على اقتراحكم؟. رد لافروف علي بقوله عن من سيدفع التكاليف : أنتم ! ثم قلت له :لم يعجبك الحل رقم واحد؟ ثم قلت … : لا تضيع الفرصة، سأوافق على الأولى، الثانية نذهب سوياً للدولة التي ستستضيفه ونتحدث معهم. بالنسبة للمحكمة، هنا قاطعني لافروف وقال: لا يهمنا أن يحاكَم، لكن ليس فوراً. والنقطة الرابعة الدولة التي تستضيفه نذهب سوياً أنت بندر وأنا ونقترح على الجزائريين ذلك".

وقبل انتقال الأمير (بندر) للحديث عن بدايات التدخل الروسي في سوريا وكيف تراخى الرئيس الأميركي الأسبق (باراك أوباما) عن وضع حد لتجاوزات بشار الأسد حين تمادى في استخدام الكيماوي ضد شعبه، قال "هذه الأحداث تعيد للذاكرة ما فعله صدام حسين من جرائم ضد الأكراد، لو أسفت على شيء حين كنت سفيراً في واشنطن هو أنني لم أفعل شيء ولم يقم العالم العربي بفعل شيء تجاه هذه الجريمة ووقف تجاوزات صدام تجاه إخواننا الأشقاء الأكراد".