حرب الأسد على المعارضين والمؤيدين على السواء

تاريخ النشر: 2019-02-23 09:28
في ظل استمرار المراهنات الأوروبية والأميركية على إمكانية استخدام أوراق الضغط المتبقية بحوزتهم لرسم مستقبل سياسي لسوريا ما بعد الحرب يكون مختلفا عن ذلك الذي قادها إلى الكارثة، جاء خطاب بشار الأسد الأخير ليبدد تلك المراهنات ويوضح تمسكه بنظام إقصائي شديد المركزية، لا يتسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة أو النقد وحتى لو صدر عن قاعدته الشعبية. من حيث الشكل والمضمون، أكد الخطاب على هدف النظام الرئيسي الذي لم يتغير طيلة ثماني سنوات من الحرب وهو العودة إلى ما قبل العام 2011.

من حيث الشكل، تحيلنا جميع التفاصيل إلى عصر ما قبل الثورة، عصر عبادة الفرد. دخل الأسد ليخاطب رؤساء مجالس الإدارة المحلية على وقع الهتافات المعهودة منذ عهد الأسد الأب “بالروح بالدم نفيدك يا بشار”. أثناء الخطاب تعاقب عدد من الحضور على إلقاء ما يبدو أنه قصائد رديئة تشيد بحكمة القائد وبصمود الشعب في وجه المؤامرة. إنها ذات آليات زراعة الخوف وتعزيز صورة رئيس النظام كقوة متعالية على الشعب، يعمل الجميع على تقديم فروض الطاعة والولاء له.

من حيث المضمون، كرر الأسد ما كان يرد في خطاباته خلال الأعوام الماضية، إذ وصف المعارضة السورية بالإرهاب وبأنها عميلة للغرب ولدول إقليمية ومؤكدا بالتالي استحالة عقد مفاوضات معها فضلا عن تقديم التنازلات. وإذا كانت خطاباته السابقة قد وصفت بأنها منفصلة عن الواقع، فإن خطابه الجديد مدعوم، نسبيا، بالواقع الذي تحقق خلال العامين الماضيين، والذي شهد هزيمة المعارضة المسلحة واستعادة النظام السيطرة على معظم أراضي البلاد.

الجديد في الخطاب هو ردوده المباشرة وغير المباشرة على الأحداث الجارية وما يتوقعه من تطورات لاحقة. ويبرز في مقدمة تلك التطورات العمل على كتابة دستور جديد للبلاد ودفع قوى غربية ومحلية نحو خيار اللامركزية.

تعتقد القوى الغربية أن بإمكانها الضغط على روسيا وإيران والنظام السوري لإقرار اللامركزية كنظام سياسي يوسع من المشاركة السياسية. وقد جرى بناء هذا الرهان على حقيقة وجود بضع أوراق ضغط بحوزة التحالف المعارض للأسد. أولى تلك الأوراق هي المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والتي تشكل نحو 30 في المئة من مساحة البلاد. يضاف إلى ذلك الربط بين مساهمة الغرب بإعادة الإعمار وبين تقديم التنازلات السياسية.

وجاء خطاب بشار الأسد ليؤكد مخاوفه من أوراق الضغط تلك ورفضه المطلق لخيار اللامركزية. ما زاد من تلك المخاوف هو فشل مفاوضات النظام مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي حول مستقبل مناطق شمال سوريا، وتصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بعد اجتماعه مع نظيريه الروسي والإيراني، بأن ملامح النظام السياسي المستقبلي لسوريا بدأت بالظهور.

وفضلا عن ذلك، لا يطمئن الأسد إلى قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا وخصوصا بعد إعلان وزارة الدفاع الأميركية أنها لن تسلم مناطق سيطرتها لنظام الأسد حتى بعد انسحابها.

هكذا، شن الأسد هجوما عنيفا على فكرة اللامركزية معلنا أن لنظامه رؤيته الخاصة للامركزية والتي تقوم على وجود مجالس الإدارات المحلية. أما ما تطرحه المعارضة والغرب فهو بحسب الأسد “لامركزية شاملة” تضعف سلطة الدولة وتضعف “المفاهيم الوطنية”، وتكون النتيجة “تراجع التجانس الاجتماعي وتقسيم المجتمع″ وصولا إلى “تقسيم الوطن”. ويستدرك الأسد بالقول إن هذا السيناريو لا يمكن أن يحصل بسبب عدم وجود انقسام اجتماعي حقيقي وبسبب إجماع الشعب على سلطة الدولة ومركزيتها.

ومن ثم انتقل الأسد للهاجس الثاني والمتعلق بارتفاع مستوى النقد الموجه للنظام في الأماكن التي يسيطر عليها، ومن قبل قاعدته الشعبية بسبب استمرار تدهور المستويات المعيشية والخدمية. إذ تعيش كافة المدن السورية أزمة خانقة في ما يخص المحروقات والتي تكتسب أهمية كبيرة في فصل الشتاء. يقف السوريون في طوابير طويلة لا تنتهي أمام منافذ البيع الرسمية للحصول على جرّة غاز ولكن من دون طائل. وفضلا عن ذلك، تواصل أسعار المواد الغذائية ارتفاعها في ظل تدنٍ متواصل لدخول السوريين وارتفاع معدلات البطالة والفقر. ولم تفلح محاولات حكومة النظام السوري لاحتواء الأزمة، وهو ما أطلق موجات غضب غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي أثارت مخاوف النظام.

واستغل الأسد الخطاب ليوضح لقاعدته الشعبية أن النقد، كل أنواع النقد، مرفوض تماما لأنه “يخلق انقساما في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الرأي والتوجه في القضايا الرئيسية”. وأضاف “علينا تعميم ثقافة التنوع الذي يعني الغنى، بدلا من ثقافة التناقض والتنافر التي يسعى أعداؤنا إلى تعميمها واستغلالها”. ورغم تقديره لانفعال السوريين، أصرّ الأسد على التمييز بين “الانفعالات الصادقة والانفعالات الكاذبة الهادفة لحصد الإعجاب”.

وهنا، وجد الأسد نفسه مضطرا لتنحية خطاب “النصر” جانبا وليؤكد بدلا منه على “استمرار الحرب على سوريا” والتي تتسبب في معاناة الناس. فالتركيز على انتصار النظام خلال الأشهر الماضية نشر نوعا من التفاؤل في صفوف المؤيدين بتحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وهو ما تبين لاحقا أنه مجرد وهم. هكذا راح الأسد يؤكد على دور الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد، وعلى أن المخطط الجديد بعد فشل الحرب هو خلق الفوضى داخل سوريا، محذرا جمهوره من التورط في هذه الفوضى؛ “بهذا الجو الفوضوي يغرق البعض باستعراض عضلاته النقدية والفكرية والبلاغية بدلا من أن يسعى للحل”، هكذا علق الأسد.

بعد ثورة شعبية شارك فيها الملايين من السوريين، وبعد حرب مدمرة قتلت أكثر من نصف مليون وهجرت نصف سكان البلاد، لا يزال النظام السوري رافضا لإبداء أي قدر من المرونة السياسية، وهو ما يقوله الكثير عن الطبيعة الطغيانية لهذا النظام؛ نظام الأبد.


صحيفة العرب

إقرأ أيضاً