هكذا أجهضت روسيا فرص الحل السياسي في سوريا

أورينت نت - مصعب المجبل
تاريخ النشر: 2019-03-19 08:36
مع حلول الذكرى الثامنة لاندلاع الثورة السورية ضد حكم آل الأسد، عملت روسيا منذ تدخلها العسكري في سوريا، في أواخر 2015، على إجهاض أي فرصة للحل السياسي في البلاد.

ما هي محاولات موسكو الحالية لابتلاع أي فرصة للحل في سوريا؟
ألمح الدكتور خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، في تصريح لـ أورينت نت، أنه من الواضح أن روسيا بإمكانها الحسم عسكرياً لصالح النظام في بعض المناطق وهذا حصل، ورغم التدخل الإيراني، فإنه لولا التدخل الروسي لم يستقر الوضع بالنسبة للنظام مؤقتاً، والآن روسيا لا يهمها الحل السياسي الحقيقي في سوريا، لأن نظرتها لكل الحراك الثوري في العالم العربي أنه مؤامرات وبنكهة أمريكية، وبأنها مع الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم ولذلك همها من وراء أستانا واللجنة الدستورية، وكل المناورات هو ليس بهدف إجراء تغيير فعلي على النظام بل نوع من مساحيق التجميل لإعادة تأهيل نظام الأسد.

وحتى هذه اللحظة فإن التوافق الروسي الإيراني على الحفاظ على النظام، على الرغم من أن كل طرف يحاول الاستحواذ على رغبته في الإمساك الملف السوري لوحده قد يؤدي في لحظة معينة بالتخلي عن النظام والبدء باختراقات سياسية، لكن حتى الآن كل الجهد الروسي يتركز لا سيما عبر مناورات لافروف بالبداية مع كيري إلى كل مؤتمرات جنيف وأستانا إلى ما يسمى اللجنة الدستورية، أو محاولات التقاطع مع الأطراف الإقليمية والعربية.

ما دور روسيا في تقريب تركيا من نظام الأسد؟
ونوه أبو دياب إلى أن روسيا وضعت شرطاً على تركيا حول المنطقة الآمنة، وهو أن تعترف باتفاقية أضنة أي الاعتراف بالنظام، حيث كان لروسيا شرط على تركيا إذا كانت تريد أن تعاونها ضد الأكراد في شرق الفرات، هو بدء تطبيع أنقرة مع النظام، كما هو الحال مع دول الخليج، فإن هناك جهدا روسيا بهذا الاتجاه، حيث إن موسكو تتهم واشنطن بعرقلة هذا الأمر. 

وأضاف أبو دياب، أنه جرى طرح ذلك في قمة أستانا الأخيرة، حتى أن روحاني تبرع أنه بإمكانه أن يلعب دوراً في مصالحة نظام الأسد مع تركيا، حيث تتحفظ الأخيرة، وتقول إن مستوى الاتصالات ما تزال على المستوى الأمني، ومن هنا سمعنا خطاب بشار الأسد ضد تركيا وكل الاتهامات التي ساقها للسيد أردوغان وأنه أدرك أن أردوغان يرفض الطلب الروسي حول إعادة التطبيع معه، كما أن هناك مشكلة عند الدول الغربية أو أردوغان وبالتالي أصبحوا يخجلون من التطبيع مع النظام بعد ارتكاب الأخير كل الموبقات.

هل أمريكا قادرة على إرجاع الحل السياسي في سوريا عبر جنيف؟
لفت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، إلى أن أمريكا وفرنسا وبريطانيا، قادرة على إرجاع الحل السياسي في سوريا وفرضه، ومنع الحل الروسي، وعلى منع الاستحواذ الإيراني والروسي لسوريا، لكن المسألة تتطلب نفس طويل لأن الوضع في سوريا، لم يفقد وظيفته الجيوسياسية بعد، لذلك يمكن يوماً أن تسلم واشنطن بنفوذ روسيا، بشرط وهو ألا يكون متلازماً مع نفوذ إيراني، والشرط الأساسي أن تكون إيران خارج اللعبة وهذا صعب؛ كون طهران تغلغلت في النسيج الاقتصادي والعسكري في سوريا.

مشروع روسي فاشل
وحول مدى إمكانية انصياع روسيا في نهاية المطاف للقرارات الدولية التي يراها السوريون هي القادرة على إنجاز حل سياسي في سوريا، اعتبر رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري الأسبق، في تصريح لـ أورينت نت، أن روسيا بدأت تشعر أن مشروعها بإعادة تأهيل النظام ودفع الأمة العربية للتطبيع معه، مشروع فاشل. كما أنه لا بد من أن يصل الصدام البارد بين وروسيا من جهة، والنظام إيران من جهة أخرى، للمرحلة العلنية، ثم إن الرهان على النظام بات ضعيفا وخاصة واشنطن وقت ضد تقديم أي مساعدة للنظام على المستوى الدولي، والتلويح بقانون سيزر سيكون له تأثير كبير، كما أن الدول الأوروبية مثل فرنسا ألمانيا وبريطانيا، أصبحوا يعدون قوائم عقوبات ضد مسؤولي النظام.

وأضاف نعسان آغا أن موسكو حاولت طويلاً أن تتفلّت من مشروع القرار 2254 ووصلت إلى طريق مسدود، اسمه الاستحقاقات الدولية، حتى أن دعواتها لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين باءت بالفشل، لأنها غير ممكنة وغير واقعية دون توفير بيئة آمنة، حيث إن مشروع إعادة الإعمار مرتبط بالتغيير السياسي.

وأكد نعسان آغا، أن بوتين أقنع ترامب في لقائهما الشهير بفيتنام، بتلخيص العملية السورية إلى عملية دستورية وانتخابات، وهم يبحثون منذ عام ونصف في بحث لجنة دستورية، وأخفقت موسكو أن تجعل هذه اللجنة تنعقد في دمشق، وكذلك أن يعدّل الدستور في مجلس الشعب ويصدره بشار الأسد، لا سيما أنه لم توافق أي دولة في العالم على ذلك.

كما اعتبر وزير الثقافة السوري الأسبق، أن الحل يكمن في العودة لصلب بيان جنيف1 وتشكيل هيئة حكم انتقالي، وتقليص صلاحيات الرئيس، مهما موسكو أطالت مدة الصراع في سوريا، ورغم بحثها مع كل الدول للخروج من هذا المستنقع، ولكي تتخلص من عبء حضور إيران المتصاعد في سوريا.

وتوقع وزير الثقافة السوري الأسبق، أن تستعاد المفاوضات، وأنه لا يمكن إنهاء القضية دون هيئة حكم انتقالي، ويعني ذلك مصالحة فريق من النظام وفريق من المعارضة، مردفاً "قد قلناها 40% من النظام و40% من المعارضة و20% تكنوقراط".

كيف تخلصت روسيا من المسار السياسي في جنيف؟
يرى أيمن محمد رئيس تحرير موقع بلدي نيوز، أن روسيا تمكنت بعد أشهر من تدخلها في سوريا وفشلها الذريع على الصعيد العسكري من إيجاد بديل وغطاء سياسي يوفر عليها خسائر فادحة ستكلفها عسكريا فيما لو بقيت تعتمد على القصف المكثف وارتكاب المجازر.

وأضاف محمد في تصريح لـ أورينت نت، أن روسيا استغلت حادثة إسقاط تركيا لطائراتها سوخوي 24 من أجل التقارب معها في الملف السوري عبر اعتماد مسار سياسي جديد ينسف ما تم التوصل إليه في جنيف؛ فكان اتفاق أستانا بين ثلاث دول راعية له بشكل مباشر وبغطاء أممي وغربي بشكل غير مباشر لرفع الحرج عن فشل مسار جنيف أمام الرأي العام العالمي. ومع اتفاق أستانا بدأت روسيا وإيران قضم مناطق سيطرة المعارضة بالتدريج وبتكلفة قليلة وتصعيد عسكري لأيام يتبعه اتفاقات تهجير جعلت من روسيا وإيران الرابح الأكبر من مسار أستانا، وجعله المسار الوحيد الذي يتم الاعتماد عليه لبلورة حل سياسي في سوريا ترعاه روسيا وإيران أبرز حلفاء الأسد.

وشدد رئيس تحرير موقع بلدي نيوز، على أن الروس استغلوا التوتر بين تركيا والاتحاد الأوروبي من جهة وأمريكا من جهة ثانية، إثر فشل الانقلاب العسكري في تركيا، واستغلا دعم واشنطن لعدو تركيا اللدود (حزب الاتحاد الديمقراطي) التابع لحزب العمال الكردستاني، بهدف تقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث، وإجبار أنقرة على العمل مع موسكو وطهران والابتعاد عن المحور الغربي بشكل كامل.

ما هو هدف روسيا من طرح مسودة دستور في إحدى جولات أستانا؟
وبين محمد أن مسار أستانا وفر على روسيا معارك كانت ستقصم ظهرها فيما لو لجأت للحل العسكري الشامل، وسمح لتركيا بذات الوقت الدخول لمناطق جرابلس واعزاز والباب وعفرين بريف حلب. مشيراً إلى أن النصر العسكري لروسيا انعكس إيجابا على طاولة المفاوضات السياسية في الملف السوري، حتى وصلت لمرحلة مكنتها من طرح مسودة الدستور، والتوافق على لجنة إعداد الدستور بالتوافق مع إيران وتركيا والتي ستتم برعاية أممية لاحقا.

وتابع: روسيا وظفت أستانا عسكرياً وسياسياً ونجحت بتحقيق ما كانت تعجز عنه عسكريا في الأشهر الأولى لتدخلها في سوريا. ويمكنني القول إن روسيا ستواصل استغلال مسار أستانا ولاحقا سوتشي، والضغط على تركيا في مرحلة لاحقة بهدف قضم مناطق من حماة وحلب وإدلب من خلال اللعب على وتر ملف شرق الفرات ومنبج ورفع يدها عنها لصالح تدخل تركيا في تلك المناطق خاصة إذا ما تم الانسحاب الأمريكي منها خلال الأسابيع المقبلة.

لماذا أرادت موسكو من مؤتمر سوتشي أن يكون عرّاب تشكيل لجنة دستورية سورية؟
من جانبه أشار إبراهيم العلبي صحفي سوري أن روسيا سعت بالأصل، وتسعى لتصوير نفسها على أنها الأقدر على حل القضية السورية إذا ما تعاون المجتمع الدولي معها ومع رؤيتها للصراع ووسائل حله، حيث أن اللجنة الدستورية هي أحد البنود الأربعة التي صاغها ديمستورا لتكون موضوعاً للتفاوض بين النظام والمعارضة، ويبدو أن موسكو رأت في هذا البند بالتحديد مواصفات تلبي حاجتها من توظيفه فمن جهة تبدو مسألة كتابة دستور جديد من خلال تشكيل لجنة تمثل النظام والمعارضة في آن معا ذات طابع إصلاحي جوهري ومن جهة أخرى تستطيع روسيا والنظام عرقلتها وتكبيلها وإفراغها من المعنى بوسائل شتى وفي أحسن الأحوال تبقى للنظام فيها الكلمة العليا إذا ما شكلت بالفعل واسندت إليها مهمة كتابة الدستور الجديد.

ونوه العلبي إلى أنه لا غرابة في أن تعمل روسيا على عقد مؤتمر سوري على أراضيها يجمع ممثلين عن النظام وممثلين عن بعض أطراف المعارضة من خلال علاقتها بتركيا ليكون فرصة مناسبة لإعلان النظام موافقته على تشكيل اللجنة بعد ممانعة طويلة وأيضا لإشعار العالم أجمع بحجم النفوذ الروسي في سوريا وقدرته على التأثير في ديناميكيات الصراع.

إقرأ أيضاً