إيران وتقليص الدعم عن دمشق

تاريخ النشر: 2019-04-20 11:07
في مناطق سيطرة النظام السوري، تصطف طوابير السيارات للحصول على مادة البنزين التي كان يشح تواجدها في الأسواق تدريجيا منذ مطلع العام الجاري، وتكاد تكون قد اختفت منذ نحو شهر. وبدت آثار هذه الأزمة بقوة وعلى عدة مستويات، إذ تعطلت وسائل النقل ما سبب شللاً في حركة السكان وأربك القطاعات الصناعية والتجارية.

ومنذ بدأت الأزمة، واصل النظام السوري توجيه أصابع الاتهام إلى”الحرب الاقتصادية” التي تشنها الدول الغربية عليه، قاصداً بذلك العقوبات الاقتصادية الغربية. ورغم تصاعد العقوبات الأميركية والأوروبية بالفعل خلال الأشهر الماضية إلا أنها استهدفت أشخاصا مرتبطين بالنظام بشكل محدد. ربما يكون السبب الحقيقي هو ما كشفت عنه صحيفة موالية للنظام السوري قبل يومين، ويتمثل في إيقاف إيران للخط الائتماني الذي كان يمكّن النظام من استيراد النفط. وتبرز عدة احتمالات حول أسباب هذه الخطوة الإيرانية.

منذ أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض العقوبات الاقتصادية على إيران في شهر نوفمبر الماضي، تراجعت إمكانية تصدير النفط الإيراني. وتسبب ذلك بطبيعة الحال في توقف وصول واردات إيران إلى سوريا عبر البحر بسبب التهديدات الأميركية لكل من يساهم في عملية النقل. هكذا، كان على طهران، في حال تمسكت بدعم النظام السوري، تحويل الخط الائتماني المقترن بتوريد النفط الخام إلى خط سيولة مالية يتيح للنظام استيراد النفط من دول أخرى. لكن طهران رفضت تلك الخطوة وذلك بسبب الأزمة المالية الشديدة التي تعصف باقتصادها منذ إعادة فرض العقوبات.

يتضح إذن أن العقوبات الاقتصادية الأميركية، ورغم رفض الدول الأوروبية التقيد بها، تؤتي ثمارها، وتنجح بفاعلية ملحوظة في تجفيف إيرادات الدولة الإيرانية. دفع ذلك الأخيرة إلى تقليص حجم المساعدات الموجهة لحلفائها في المنطقة. وليست الأزمة الحاصلة في سوريا اليوم هي فقط ما يؤكد على ذلك.

تقارير عديدة تحدثت عن أزمة مالية يعاني منها حزب الله، وقد أشار الأمين العام للحزب، حسن نصرالله، إلى تلك الضائقة المالية في أحد خطاباته مؤخراً، داعيا مؤيديه إلى تقديم التبرعات ومساعدة الحزب على تجاوز الأزمة. هكذا يبدو أن طهران تقوم بتقليص حجم الدعم المقدم لجميع اللاعبين الذين توظفهم في حروب الوكالة التي تخوضها في المنطقة.

السبب الثاني لإيقاف الخط الائتماني فيتعلق بانتهاء التهديدات التي أحاطت بالنظام السوري منذ استعادة سيطرته على كل من حلب والغوطة الشرقية ودرعا. لم يكن دافع إيران من تزويد النظام السوري بالنفط طيلة السنوات الماضية هو خدمة السكان وتخفيف معاناتهم، وإنما تمويل آلة الحرب الفتاكة التي أطلقها بشار الأسد لسحق معارضيه في طول البلاد وعرضها. هكذا فإن أزمة المحروقات الحالية، من وجهة نظر طهران، لن تؤثر على قدرات النظام العسكرية والأمنية، وإنما على المستوى المعيشي وعلى الحياة اليومية للمواطنين.

الحقيقة أن إيران حققت أكثر من مجرد حماية النظام ومنع إسقاطه. لقد بات النفوذ الإيراني في سوريا أمراً واقعا، إذ ازدادت الهيمنة الإيرانية على مؤسسات النظام الاقتصادية والعسكرية، كما شكلت طهران مجموعات ومراكز نفوذ مستقلة عن النظام، وذلك على شكل ميليشيات تابعة لها مباشرة ومنتشرة في مناطق عديدة من البلاد. كل ما سبق دفع طهران إلى الاعتقاد بأن لا خسائر فعلية تتكبدها من جراء إيقاف الدعم المالي للنظام السوري أو تقليصه بصورة كبيرة.

ولكن، قد يؤدي انتهاء ورقة تزويد النظام السوري بالنفط، وهو بمثابة الدماء الضرورية لاستمراره على قيد الحياة، إلى فتح الباب لتقليص نفوذ إيران في سوريا، وهو هدف معلن لإدارة دونالد ترامب. لم يكن بإمكان النظام رفض أي تدخل إيراني في ظل تدفق تسعين بالمئة من حاجاته النفطية من طهران على مدى سبعة أعوام متواصلة.

وكما وظفت إيران تلك الورقة لتوسيع نفوذها في غضون أعوام قليلة داخل الدولة والمجتمع السوريين، هنالك إمكانية لأن يوظف النظام غياب آلية الضغط تلك باتجاه معاكس، أي باتجاه التحرر الجزئي من الهيمنة الإيرانية. أقول الجزئي بسبب ضرورة الاعتراف بحجم التوغل الإيراني الحاصل حاليا، وهو يمثل ارتباطا عضوياً بين الطرفين في ظل الضعف الشديد الذي يحيق بالنظام السوري. ولكن للأخير تاريخاً من تجنب التحول إلى رهينة لحليف أوحد، يمسك بعنقه ويوجهه كما يشاء كما هو حاله مع إيران اليوم، تاريخا قد يدفعه إلى محاولة تغيير الأمور، خصوصا أن يد المساعدة ممدودة دائما من موسكو.

إقرأ أيضاً