وظيفة "الممانعة" في نهاياتها: الانتصارات الخاوية

تاريخ النشر: 2019-04-22 21:04
عندما ينتقل النقاش في بيروت من ضوضاء شق الطرق نحو القدس، والقضاء على المشروع الصهيوني، ومن الحرب على الإرهاب التكفيري الذي فتح شهية تورط حزب الله في حروب على امتداد أكثر من دولة عربية، ومن لعبة التخوين وتقديم شهادات الوطنية، إلى الموضوع الأساس أي سؤال الدولة والعدالة وكرامة المواطن، أي إلى التحديات الاقتصادية والمالية، إلى مقاييس التنمية والاجتماع وإلى سؤال الذات، عند هذا تتكشف الحياة السياسية والفكرية أو الأيديولوجيا، عن خواء مخيف في الاقتصاد وفي السياسة وفي التنمية، وأكثر ما يظهر هذا الخواء في تلعثم دعاة الممانعة والمقاومة، أو دهاتها، عن القدرة على تقديم فكرة مفيدة أو رؤية لكيفية الخروج من احتلال الفقر والفساد وتسيّد المافيا والتخلف والتسوّل، في دولة يدعي فيها هؤلاء أنها انتصرت على كل المشاريع الاستعمارية والصهيونية والتكفيرية. وإذ بها أمام واقع مهزوم بكل خواء الأيديولوجيا وشعارات الممانعة التي جعلت لبنان يقف على قارعة الدول ليتسول، من دون أن يستفز ذلك دعاة “الكرامة” ومروجي مقولة “الانتصار الإلهي” الذين أوصلوا البلاد والعباد في لبنان إلى أسفل الدرك، المكان الذي كادت الحرب الأهلية بكل مآسيها تهوي بلبنان إليه.

ليس صحيحا أن لبنان كان منذ نشأته دولة فاشلة، وليس من الإنصاف القول إن نظامه السياسي كان ولا يزال أصل البلاء، ولا من الموضوعية القول إن الفساد من سمة هذا النظام، ومقيم فيه منذ أن قامت دولة لبنان. وإذا كان في ذلك بعض من الحقيقة، فإن المنافي أو المقوض لهذه الحقيقة، هو أن في زمن سطوة “الممانعة” أي من عهد الوصاية السورية إلى الوصاية الإيرانية، تعرض لبنان لأكبر نكبة على مستوى مؤسساته، صار الدستور فيه ألعوبة بيد السلطة من دون أي وازع، وسلطة القضاء تناتشتها أيدي المافيات، فصارت طوع بناتها إلا في ما ندر.

الأجهزة الأمنية جرى تقاسمها في سبيل تعطيلها أو تعطيل قدراتها على أن تكون حصن مؤسسات الدولة، لا حصن السلطة وأزلامها. في زمن الممانعة لم تعد بيروت ولا لبنان منارة العرب، ولم تعد ملجأ الهاربين من أنظمة الاستبداد وقهرها، ولم يعد لبنان منارة الإعلام العربي، ومركز المؤسسات الصحافية أو الإعلامية العالمية في الشرق الأوسط، لم يعد لبنان جامعة العرب ولا مشفاهم. في زمن الانتصارات الإلهية انهار ما تبقى من فكرة لبنان ودولته، وكل ما كان يجعله متميزا عن محيطه الذي سبقه بأشواط. صار تشبيهه بسويسرا الشرق اليوم، إهانة لهذا البلد الأوروبي.

عندما ينتقل النقاش في بيروت إلى أسئلة الواقع والمستقبل أيضاً، تنكفئ الممانعة وتظهر “المقاومة” في عريها لتنكشف حقيقتها التي ما كانت إلا وسيلة لتسلق السلطة من أجل السلطة، ووسيلة لتقويض الحريات أو هامشها، وما كانت الممانعة لتستمر وتبقى، إلا لأنها تحولت إلى شعار مذهبي، وسوط لجلد المجتمع والدولة، وعنصر حماية استقرار بلاد العدو وأمنه، هي مدرسة الأسد التي تبناها عتاة السلطة الإيرانية و”حرسها” وتفننوا في استخدامها ولا يزالون.

في نظرة موضوعية إلى دولة العدو، سنجد ومن دون ازدراء ولا اندهاشاً به، أن إسرائيل شهدت منذ “الانتصار الإلهي” عليها في حرب العام 2006، قفزات غير مسبوقة في تاريخها على مستوى الاقتصاد والأمن والسياسة، وهي أكثر دولة في الشرق الأوسط استقطبت استثمارات على مستوى تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، وهذا سببه أولا الثقة بالأمن، فهي الدولة الأولى من حيث التصدير التكنولوجي وحتى تقنيات الزراعة ومنتجاتها على مستوى المنطقة، إذا ما استثنينا النفط والغاز.
قفزات دفعت إسرائيل إلى أن ترمي خلف ظهرها، كل ما يتصل بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة، ويجب أن ننتبه إلى أن الحكومة الإسرائيلية حققت كل ذلك فيما الممانعة وقادتها من طهران إلى بيروت، يتحدثون عن رعب الإسرائيليين وعن صواريخ المقاومة، وعن الانتصارات الإلهية المتتالية على المشروع الصهيوني.

عندما ينتقل النقاش أيضا إلى بناء الدولة والاقتصاد والتنمية، يظهر خواء الممانعة وجهابذتها، وينكشف واقعنا اللبناني عن عري لا يستره خطاب الأيديولوجيا ولا الانتصارات التي سببت للبنان بالفعل انهيارات كبرى، فمنذ تحقق الانتصار الإلهي في العام 2006، كما يحب قادة حزب الله أن يصفوا نتيجة تلك الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، نلاحظ أن لبنان منذ ذاك التاريخ، تداعى اقتصاديا وماليا وإداريا وأمنيا، وهجرته الكثير من الشركات الغربية والعربية، ولم يعد مكانا جاذبا لأي مشاريع استثمارية، وتناوبت على حكمه طبقة سياسية كان شعارها كن مع حزب الله وانهب ما شئت من موارد الدولة والشعب.

كان يكفي لأي فاسد أن يردد مقولة ممنوع المس بسلاح حزب الله لتفتح له أبوابا جديدة للنهب والفساد على حساب الدولة والمال العام، بحيث أنه منذ العام 2006 حتى اليوم، أي في زمن ذاك الانتصار، شهد لبنان أكبر عملية سطو من قبل متنفذين على الأملاك العامة، ولكي لا ننسى أن إسرائيل كانت تحقق في هذا الوقت القفزة تلو القفزة في اقتصادها وأمنها، وعلى أنغام نشيد الصواريخ الإيرانية التي ستدمرها خلال سبع دقائق وبضع ثوان.

ضحك الإسرائيليون كثيرا وهم يرون أشلاء الدولة اللبنانية، التي وقف الأمين العام لحزب الله على ركامها ليعلن الانتصار الذي لم يكن إلا على مشروع الدولة، وضحكوا أكثر حين كانت جحافل مقاتلي حزب الله تتدفق نحو سوريا لنصرة نظام الأسد على شعبه، واطمأنوا كثيرا إلى وجود مقاتلي هذا الحزب ومدربيه في اليمن، في الوقت الذي لا يجرؤ على القيام بأي تهديد لهم، كأن يقوم محازبوه بعملية عسكرية في قلب تل أبيب أو حتى في إحدى مستعمراته.

الجرأة على دماء اليمنيين والسوريين والعراقيين، كانت كفيلة بأن يمد بنيامين نتنياهو رجليه، ويطمئن إلى أن من يوغل في هذه الدماء قد قرر بالفعل عدم المسّ بأمن إسرائيل، بل هو، أي نتنياهو، صار من يعطي الأمان للممانعة أو يحجبه عنها إذا ما شاء.

حرفة الممانعة هي القتال تحت ظلال العدو أو ضمن ما يرسمه لها من خطوط خضر وحمر، وإذا ما بقيت هذه الوظيفة مطلوبة إسرائيليا ستبقى، وإذا ما انتفت الحاجة إليها ستنتهي، فبعدما اخترقت إسرائيل ما شاءت من دول عربية وإسلامية على وقع انتصارات هذه الممانعة، ربما ستتراجع الحاجة إلى هذه الممانعة، ليتقدم السؤال الفعلي الملح اليوم في عواصم الممانعة ومنها لبنان، ماذا لديكم من أفكار لبقاء الدولة حتى لا نقول تحديثها، ماذا لديكم من مشاريع لتتشبث الناس بأرضها وبشعاراتكم؟ ماذا لديكم لكي يثق الناس بأن العدل والكرامة والمواطنة الحقّة، لا تزال ممكنة في بلد الأرز؟


صحيفة العرب

إقرأ أيضاً