العلويون (1) .. من عقيدة الطائفة إلى العقيدة الطائفية

تاريخ النشر: 2021-02-02 06:21
"العرب السنة طائفيون بعقيدتهم وثورتهم، لذلك وللأقليات طوائف وقوميات، لابد لها من ضمانات في سوريا لمستقبل" .. مقولة تمثل لب ما يطرحه الفاعلون الدوليون ويردده بكل طريقة ممكنة ليس النظام الأسدي وأنصاره فقط، بل حتى كثيرون من المنتمين للأقليات ممن يصنفون أنفسهم معارضين للنظام ومنتمين للثورة السورية بدرجة أو شكل ما.

لكن؛ من الطائفي والقومي المتعصب عملياً؟ من هي الضحية ومن هو الجلاد وما أهداف كل منهما؟ هل هي أزمة عقائد دينية أو قومية؟ ما المخرج الحقيقي من هذه الكارثة الوطنية السورية؟ وما دور العلويين فيه؟ .. هي الأسئلة الحقيقية التي يدور حولها الجانب السياسي والفكري الاجتماعي من الصراع، وبشكل لا يقل شراسة عن الجانب الميداني على الأرض.

نعم، النظام طائفي "نصيري" كما كانوا يسمون أنفسهم منذ اثني عشر قرناً، أو "علوي" كما سماهم المستعمر الفرنسي قبل قرن فقرروا اعتماده "تقية" استكمالاً للعقيدة الباطنية المخفية، وإنكار ذلك طائفية كما أنه من الطائفية والشراكة في الجريمة أيضاً إنكار طائفية النظام الأسدي وتورط طائفته "باستمتاع" في المذبحة، والكلام موجه لأي معارض للنظام من كل الأقليات حيث يثبت هنا وطنيته وولاءه للثورة أو توجهاته المشبوهة .. لا حلول وسط هنا ولا مناورات في المصطلحات؛ في تحديد هوية النظام الأسدي وأهدافه ومعركته مع الثورة (وليس معركة الثورة معه كما يدعون)، ولا في تحديد هوية الضحية وحقها في الحرية، أما السنة المعارضون الذين ينكرون طبيعة النظام وطائفية معركته وأتباعه فهم أتفه عددا ومكانة وتمثيلاً من أن يُقام لهم وزن.

ونعم أيضاً وبكل وضوح بعيداً عن التكاذب؛  هناك مشكلة بيننا كسوريين بشكل عام وسوريين مسلمين سنة وعرب (وتركمان) بشكل خاص مع الطائفة النصيرية/العلوية التي أيدت بطرق عديدة النظام ولم يختطفها كما تقول الأسطورة‘ بل هي التي تماهت معه بإرادتها واستمتعت بدورها، ولا يشكل بضعة مئات من العلويين المعارضين (مع عائلاتهم ضمناً) استثناءً يمنعنا من التعميم على الطائفة.

لكن، أيضاً من يظن أن مشكلتنا "كعرب مسلمين أي سنة" مع النصيري أو الشيعي أو أي من الأقليات الطوائف التي وقفت معه، من يظن أو يصور ذلك سواء كان واحداً منا أو واحداً من بين الأقليات، عن حسن أو سوء نية، من يصور أن مشكلتنا مع النصيريين/العلويين (موضوع المقال) كانت يوماً عبر التاريخ وصولاً لليوم في ثورتنا السورية هي بسبب دينهم ومعتقدهم فهو مخطئ أيضاً، فنحن نعادي السنة أتباع النظام أكثر من كل أتباعه العلويين.

مشكلتنا معهم وعبر التاريخ كانت دائماً خيانة وحقد وجرائم بعضهم، كثرت أم قلت نسبة هذا البعض،  فالدين لم يكن مشكلة معهم يوما وإلا لما بقوا بيننا نحن العرب السنة 1200 عام ولما عاملناهم بتسامح بعد الاستقلال مع العلم أنهم تعاونوا مع المستعمر الفرنسي، وهي أمورٌ لها سوابق تاريخية مع كل غزو خارجي من صليبي ومغولي وفرنسي والتي كانت قد تجد فقط وأحياناً بعضاً خجولاً من الاعتراض داخل الطائفة يقابله ويستند له في النهاية غض نظر وتسامح من العرب المسلمين (أي السنة) الذين شكلوا الأمة عملياً على مدى أربعة عشر قرناً في سوريا.

هنا وفي هذا الإطار لا يعنيني ادعاء المظلومية الكاذبة المستندة إلى فتوى عالم الإسلام وشيخه وفيلسوفه العالم الجليل ومجدده في عصره "ابن تيمية" الذي أصدر فتوى "حكم الخيانة" في أزمان كانت وحتى وقت قريب تربط وتطابق بين السياسي والديني في كل العالم، لتكون محاكمة فتوى ابن تيمية بالأمس بمعايير اليوم مجرد هراء و"عصبيةً طائفيةً" يجري إنعاشها باستمرار لأغراض سياسية دنيئة، مع أنه لم يقتل نتيجتها وفي زمن "ابن تيمية" نصيري واحد ولم تُسب نصيرية واحدة ولم يهجر أي منهم من مناطقه ليبقوا بيننا بعدها لألف عام بأمان حقيقي.

لكن التحول الكبير على "العقيدة النصيرية" في سوريا جرى خلال نصف القرن الأخير حيث طور حافظ أسد ومن ثم عائلته وأعوانهم، طوروا أدوات جديدة لتعريف "العقيدة النصيرية" التي زادت تخفياً وباطنية حتى عن معتنقيها بدل أن تصبح أكثر وضوحاً وشعوراً بالأمان في ظل دولة الاستقلال العلمانية ومن ثم في ظل حكم مطلق للطائفة النصيرية/العلوية سمح لها بالتأثير عبر العصا والجزرة على كثير رجال الدين السني وحماية نفسها عبر الاستيلاء على الجيش والأمن وقمع أي مظهر حرية تعبير وتنظيم وديموقراطية؛ ليطور حافظ أسد وعائلته وأعوانه أدوات جديدة لإعادة تعريف العقيدة النصيرية، لتزول اليوم النصيرية كعقيدة تاريخية وتعاليم وتستبدل لدى الغالبية الساحقة من معتنقيها الجاهلين أصلاً بمعظمهم بتعاليمها وقد ألغوا من قاموسهم معظم التكليفات التي حصرت برجال دينهم الذين حملوا عن العامة تلك التكاليف والمحرمات (كما عقائد باطنية أخرى)؛ لتستبدل العقيدة النصيرية التاريخية لدى هذه الغالبية الساحقة منهم بالعقيدة الجديدة المتمثلة بالـ "العصبية الطائفية النصيرية" دون أي تكاليف أو محرمات أو ضوابط أو قيم أخلاقية أو سلوكية أو اجتماعية أو وطنية، ضوابط أو قيم تم تجاهلها حتى لو نادت بها "النصيرية التاريخية كمعتقد"، وليتحول دور رجال دين الطائفة من حاملين وحماة للعقيدة إلى موظف برتبة صف ضابط "مساعد أول" يتلقى توجيهاته من ضباط مخابرات النظام الأسدي، ولنا في كل من الضابطين النصيريين المجرمين علي حيدر وعلي دوبا مثالين حيين عن كل هذا وهما المعروفان بإحاطة نفسيهما برجال دين الطائفة وتحويلهم إلى "حاشية" بمعنى "البوق"، و"مرافقة" بالمعنى الأمني الذي بات يحكم المجتمع العلوي كبديل لعقيدته.

لم يكن سابقاً ولا اليوم لدى مسلمي سوريا أي المسلمون السنة والعرب خاصة منهم، لم يكن لديهم مشكلة مع أي معتقد لأقلية ومنها "المعتقد النصيري" وتعاليمه، وإلا لما بقي كل هؤلاء وخاصة النصيريون بيننا طوال اثني عشر قرناً هو عمر معتقدهم، المشكلة بالنسبة لنا نحن السوريين الذين يشكلون الأمة في سوريا كهوية أكثرية أي العرب المسلمين السنة؛ مشكلتنا معهم اليوم "عصبيتهم الطائفية" التي استندت لمعتقد تاريخي مجهول لمعظم أصحابه ليشكل نقطة تحشيد لعصبية طائفية يجمعها فقط اسم هذا المعتقد الجديد غير المحدد المضمون، وهكذا اختفت عملياً تعاليم العقيدة النصيرية التاريخية التي كانت أصلاً مجهولة لكثيرٍ من النصيريين (ومنهم كل الإناث كما تنص عقيدتهم)، وتم استبدالها من قبل آل أسد وأعوانهم (وبمساعدة من رجال دين الطائفة)؛ تم استبدالها كعقيدة وتعاليم بالعصبية الطائفية للاسم والانتماء فقط، لتتحول هذه العصبية الطائفية إلى  "عقيدة" بحد ذاتها، عقيدة جديدة تكفي ليصبح صاحبها نصيرياً مؤمناً،  وليتيح معتقد "العصبية الطائفية النصيرية" الجديد هذا ويبرر بل ويشجع كل قتل وسرقة وفعل إجرامي إرهابي بحق الآخر، وخيانة وعمالة وبيعٍ للوطن للمحتلين، ما دام كل ذلك يحصل باسم المعتقد الجديد المسمى "العصبية الطائفية النصيرية"، معتقد قائم على المصالح الشخصية للأفراد متجاوزاً أي قيم عليا بما فيها الوصايا العشرة التي تحملها كل الأديان والمعتقدات بما فيها "النصيرية" حتماً، فليس من دين بما فيها العقيدة النصيرية التاريخية يقول لمعتقده مثلاً "اسرق واقتل"، بل تتم ممارسة ذلك دائماً بفتاوى واجتهادات تأويلية لبعض منتسبي هذا الدين من نصوص لا تقره.

أيضاً لأنهم ليسوا طائفيين؛ فإن العرب السنة يعادون الطائفيين الخونة وليس الطوائف من الأقليات، بينما النظام الأسدي الطائفي وأنصاره الأقلويون طائفيون لذلك يعادوننا كعرب سنة، وهنا أقولها عن نفسي وعن الغالبية الساحقة من السوريين العرب السنة بمن فيهم هؤلاء المجروحون الذين يعبرون بغضب وانفعال لحظي، أقول: في سوريا المستقبل التي ستأتي حتما وستنتصر الثورة بإذن الله، في سوريا المستقبل لو حاول أحد الاعتداء أو اضطهد شخصاً من الأقليات بسبب دينه أو قوميته فسنقاتل المعتدي كما نقاتل اليوم السفاح الأسدي الطائفي .. لكن انتبهوا؛ المجرم سيعاقب لا لطائفته أو قوميته، بل لخيانته وجريمته، وأولهم السنة الذين ارتكبوا الجرائم.

مشكلتنا إذاً، بل ومشكلة المنطقة والعرب والعالم والإنسانية جمعاء معنا؛ مشكلتنا ليست في وجود الطائفة العلوية في سوريا ولا في عقيدتها التاريخية وإلا ما بقيت بيننا منذ ألف ومئتي عام، إنما مشكلتنا في عقيدتها الجديدة المسماة "العصبية الطائفية النصيرية/العلوية" أو "العلوية الأسدية" كما سماها الباحث السوري العلوي سمير سليمان المقيم في أستراليا في سلسلة مقالاته الهامة الثلاث الأخيرة، وهي مقالات أنصح بقراءتها لأهميتها وطرحها التحليلي الواقعي العميق البعيد عن أي ديماغوجيا وتكاذب وطائفية (مع بعض ملاحظاتي عليها التي لا تفقدها أياً من أهميتها).

مشكلتنا مع هكذا عقيدة وتابعين لها أنها تبرر احتلال الطائفة النصيرية/العلوية للدولة السورية بكل مؤسساتها، وسلوكها كقوة احتلال لسوريا بكل ما يعنيه الاحتلال والإرهاب بكل معانيهما القديمة والحديثة من الاستعداد لإحراق البلد الذي يحتله بمن فيه باعتباره بلداً غريباً مقابل البقاء في السلطة بشكل غير شرعي وغير دستوري وباستعمال كل وحشية وإرهاب دون أية ضوابط، وتزول المشكلة مع الطائفة العلوية كطائفة عندما يزول احتلالها لسوريا عبر تخلي هذه الطائفة (طوعاً أو كرهاً) عن احتلال "الدولة" في سوريا .. وتفصيل ذلك في مقالنا القادم.

فواز تللو – سياسي سوري
مدير مركز آفاق مشرقية للدراسات
برلين/ألمانيا  01/02/2021

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
وفاة طفلين غرقاً في نهر الفرات شرق دير الزور.قسد تقتل مدنيين اثنين في الرقة بحجة "خرق حظر" كورونا.اغتيال قيادي بارز في ميليشيا قسد بدير الزور.تركيا تقصف مواقع لميليشيا قسد في عين العرب.تونس.. ارتفاع ضحايا غرق قارب مهاجرين إلى 41 قتيلا.لبنان.. حزب الله يخزّن المواد الغذائية تحسباً للانهيار.العراق.. استهداف بئرين للنفط بعبوتين ناسفتين.روسيا تعتقل القنصل الأوكراني في سان بطرسبورغ.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en