مع فشل جميع المبادرات السابقة لإنشاء مجلس محلي في دير الزور يحظى بإجماع أبنائها ويقوم بتسيير وتنظيم أمورهم مع اقتراب تحرير المدينة من آخر معاقل النظام فيها، ومع انتشار بعض عمليات الفوضى والسرقة بعد انحسار سلطة النظام وعدم وجود سلطة قوية تردع من تسول له نفسه استغلال الظرف الحالي.. يستحضر بعض أبناء المدينة وخاصة من كبار السن والمثقفين تجربة حكومة (الفلتان) التي تأسست بدير الزور عام 1918 لتطبيقها اليوم. فحكومة (الفلتان) التي ترأسها ابن المدينة الحاج فاضل العبود وكان يشغل منصب رئيس البلدية في سنجق دير الزور العثماني، تأسست حينما وجد أهالي الدير أنفسهم بدون سلطة مركزية تتبع لها متصرفيتهم بعد رحيل العثمانيين عنها في 6 تشرين الثاني عام 1918، فكان من الضرورة أن تتواجد سلطة قوية تحمي المدينة وأهلها ريثما يتفقون على السلطة التي سيتبعون لها، فتم الاتفاق على تشكيل حكومة محلية تضبط أمور الأمن وتسيّر شؤون المدينة مؤقتاً، فأوجد أبناء دير الزور فيما بينهم مجلساً محلياً أسموه حكومة (الفلتان) كونها لا تتبع لسلطة مركزية، وتم الاتفاق بعد نقاشات بينهم على أن يضم المجلس /21/ عضواً يتم التناوب على رئاسته فيما بين زعماء الأحياء الثلاثة في المدينة آنذاك.  تجربة ثمينة أورينت نت سألت بعض الذين أيقظوا التجربة ويدعمونها فكرياً فأوضحوا لها وجهة نظرهم: السيد شاكر العداي ماجستير صيدلة من أبناء دير الزور المغتربين يقول: "أنا أثمن تجربة حكومة (الفلتان) بشكل إيجابي نابع عن وعي عال من قبل أجدادنا وإحساسهم بالمسؤولية، حيث عاشت المدينة في ذلك الوقت حالة من الفوضى ولم تنتهِ تلك الفوضى إلا بمبادرة ذاتية قام بها وجهاء المدينة فاختاروا مجلس حكم محلي وتعاهدوا على طاعته واحترام قراراته وهذا المجلس بدوره اختار رئيساً له وهو الحاج فاضل أي أنهم طبقوا مفهوم الديمقراطية قبل أن يصبح المصطلح جوهراً للسياسة تدعي تطبيقه الدول المتقدمة بعد قرن من الزمن". وأضاف العداي بالقول: "أعتقد أن الإحساس بالمسؤولية والالتزام والوعي عند أسلافنا أكبر بكثير مما لدى جيلنا، فمدينتنا اليوم تعرضت للخراب والحصار ولم يستطع أبناؤها حتى هذه اللحظة إيجاد آلية للعمل الجماعي حيث ما تزال تطغى الروح الفردية والأنانية على الكثير من تصرفات من يدّعون أنهم يمثلونها، ناهيك عن وجود الباحثين عن المال والسلطة والشهرة بينهم على حساب دماء الشهداء وأنقاض المدينة، وطبعاً هذا ليس كلاماً عاطفياً وإنما هو ما نراه من انعكاس لذلك الفشل على حال دير الزور سياسياً وإغاثياً وإعلامياً على الرغم مما يحققه الجيش الحر فيها من انتصارات كبيرة".  مواصفات الأعضاء السيد محمد الخلف رئيس دائرة في جامعة الفرات بدير الزور يقول حول موضوعنا: "في دير الزور نحن بأمس الحاجة لحكومة إنقاذ لإدارة شؤون المحافظة بشكل كامل ومهام تلك الحكومة ستكون صعبة كونها ستتسلم زمام أمور محافظة مدمرة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لذلك فإن المهام الملقاة على عاتق تلك الحكومة كبيرة – في حال نجاح تشكيلها طبعاً- وبالتالي يجب أن يكون الأشخاص الذين يتولون مقاليدها على قدر كبير من المسؤولية والحكمة ويمتلكون صفات قيادية وأن يحوزوا على الثقة والإجماع وكذلك أن يكونوا مشهوداً لهم بأخلاقهم وبعيدون عن أي أجندات شخصية أو حزبية، وعلى العموم هي مجرد حكومة إنقاذ ريثما يتم بلورة الوضع السياسي الجديد في البلاد بعد سقوط الأسد المحتوم ولن تكون حكومة دائمة".  معوقات متراكمة المهندس محمد دهموش ناشط مستقل من أبناء المدينة يقول: "إن أي شخص قلبه على المدينة سيدعم الفكرة.. فوضع البلد بحاجة لأن يكون فيها مجلس أو حكومة تسيّر أمورها خاصة مع تحرر مناطق واسعة من المحافظة فلم يتبقَ سوى بعض الأحياء في مدينة دير الزور التي تحاصرها قوات النظام منذ ثمانية أشهر ولم تنجح باقتحامها والسيطرة عليها ويقوم سكان تلك الأحياء بتسيير أمورها بشكل ذاتي. جميع المبادرات السابقة لتشكيل مجالس محلية في المدينة باءت بالفشل لأنه لم يكن هنالك إجماع على الأشخاص الذين تشكلت منهم تلك المجالس حيث شكلت بطريقة (أهلية بمحلية) وكل عدد من الأشخاص يشكلون كياناً ولا يعترف أعضاء هذا الكيان بالكيان الآخر وهكذا". وأشار دهموش إلى عدد من الصعوبات الأخرى التي تقف أمام نجاح تشكيل حكومة (الفلتان) مرة ثانية فيقول: "قد يكون انعدام الإجماع على مجلس معين ناتج عن أسباب كثيرة منها أن المدينة اليوم تختلف عما كانت عليه قبل مئة عام تقريباً من حيث الزيادة الكبيرة في عدد السكان واتساع رقعتها الجغرافية، وكذلك لا ننسى أن المثقفين وأهل السياسة قد ازداد عددهم أيضاً، كما أن انتقال شكل المجتمع من العشائري إلى المدني إضافة إلى الفراغ الكبير الذي عاناه مجتمعنا على مدار عقود في مجال العمل الشعبي المشترك أو ما يطلق عليه منظمات المجتمع المدني جعل من الصعوبة بمكان أن يتجاوز أي صاحب مبادرة صعوبات من هذا النوع وذلك لضعف الخبرة والتجربة لديه وعدم توفر البيئة الحاضنة الملائمة".