رغم استحالة تطبيقه.. لماذا يتعمّد نظام أسد إثارة الحديث عن "تعويم الليرة"؟

رغم استحالة تطبيقه.. لماذا يتعمّد نظام أسد إثارة الحديث عن "تعويم الليرة"؟

في ظل ارتفاع الأسعار وتقليص مليشيا أسد الدعم الحكومي للسلع الرئيسية والمشتقات النفطية وهبوط أسعار صرف الليرة، تزايدت الدعوات في أوساط الاقتصاديين لتعويم العملة المحلية، للانتهاء من إشكالية الفرق بين سعر الدولار "الرسمي" والسوق السوداء، وزيادة المنافسة السوقية على أمل تخفيض الأسعار.

واختصاراً يعني "تعويم العملة الوطنية" عدم التدخل من جانب المصرف المركزي في تحديد سعر صرف العملة، وترك السعر عائماً تحت رحمة العرض والطلب، بمعنى آخر تسليع العملة المحلية في السوق.

وتلجأ الدول إلى هذا الخيار عند الأزمات المالية، والأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، بغية تخفيض نسبة العجز المالي، والحد من استنزاف القطع الأجنبي من الخزينة، لكن شريطة أن يكون مؤشر ناتجها المحلي قوياً.

ويقول نائب نقيب الاقتصاديين في الشمال السوري، الدكتور ياسر الحسين، إن الدول التي تُقدِم على تنفيذ أداة "تعويم العملة" تطمح في زيادة الطلب على العملة، بشكل يؤدي إلى ارتفاع سعرها وبالتالي زيادة القوة الشرائية للمواطن، وارتفاع المستوى المعيشي، وهذا يتحقق من خلال زيادة الناتج المحلي (الصادرات).

لكن وحسب حديث الحسين لـ"أورينت نت"، فإن انخفاض الطلب على العملة المعوَّمة يعني تدهور قيمتها أكثر، وزيادة صعوبات الوضع المعيشي حكماً.

زيادة في الأسعار

وفي حالة نظام أسد، يعتقد الحسين أن "تعويم العملة" لن يؤدي إلا إلى زيادة التضخم وتدهور قيمة الليرة أكثر، بالنظر إلى توقف الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي، وغياب الاستثمارات الخارجية.

ومن المعلوم اقتصادياً، أن هناك شكلين لتعويم العملة، الأول "التعويم الخالص/الحر"، ويعني ترك سعر العملة لنسبة العرض والطلب والسوق دون تدخل المصرف المركزي في شيء سوى أن تتدخل السلطات النقدية للتأثير على سرعة تغير سعر الصرف، وهو الشكل المعتمد في الدول التي تمتلك اقتصادات عملاقة.

أما الشكل الثاني، فهو "التعويم الموجَّه"، حيث يتم تحديد سعر العملة وفق آلية العرض والطلب، مع تدخل المصرف المركزي عند الحاجة إلى توجيه سعر الصرف في اتجاهات محددة مقابل باقي العملات.

وضمن هذا السياق، وصف رئيس تجمّع رجال الأعمال السوريين في مصر الموالي لأسد، خلدون الموقع، تعويم العملة الخالص بـ"الخيار السيّئ جداً وغير الوارد"، مضيفاً في مقال له: "أما التعويم الموَّجه فسيغدو في ظل هذا الانسداد من التنافسية السوقية كمن يضخ الماء في بالون فينتفخ، وكذلك تنتفخ الأسعار في الأسواق بارتفاعات شديدة".

وتابع بالدعوة إلى اتخاذ خطوات تمهّد للتعويم الموجَّه، أي فتح الاستيراد أمام المنتجات ومستلزمات الإنتاج التي تحقّق الإنتاج الأكبر للمصانع القائمة والعاملة حالياً، مضيفاً: "بالعموم، فإن التعويم الموجه، في ظل منع الاستيراد أو تحديد متغير لعملية الاستيراد، سيدفع حتماً إلى فقدان مواد من الأسواق وارتفاع للأسعار".

واستناداً إلى توقف الإنتاج الصناعي والزراعي إلى حد كبير وخاصة في المواسم الأخيرة، فإن حالة من اليقين تسود بين الأوساط الاقتصادية بأن التعويم يعني زيادة معاناة السوريين في سبيل تأمين الحد الأدنى من الغذاء.

 

القبضة الأمنية

المستشار الاقتصادي في مركز "جسور للدراسات" خالد التركاوي، يرى أن تطبيق هذا الشكل من التعويم (التعويم الموجّه) وهو الشكل المطبّق تركياً حيث يقوم البنك المركزي التركي بالتدخل في الحالات الطارئة عبر شراء الأموال المحلية وضخّ العملات الأجنبية، أشبه بالمستحيل في حالة النظام، لعدم امتلاك المصرف المركزي أي أداة مالية للتأثير على سعر العملة، باستثناء أدوات النظام المعروفة، أي القبضة الأمنية لتثبيت سعر الصرف.

وقبل اعتماد هذه الأداة لا بد من السماح بتداول العملات الأجنبية في السوق المحلية دون قيود، علماً أن نظام أسد يجرّم كل من يتعامل بالعملات الأجنبية في مناطق سيطرته، ويلاحق مكاتب الصرافة.

ويضيف التركاوي لـ"أورينت نت" أنه "لو افترضنا أن النظام اعتماد التعويم الموجه، فعلى سبيل المثال لا يستطيع المصرف ضخ الدولار من أجل تثبيت سعر صرف الليرة، لعدم امتلاكه مخزونات كافية من العملات الأجنبية".

وبذلك يستبعد التركاوي أن يقدم النظام على اعتماد آلية "تعويم العملة"، ويقول: "لن يقدم النظام على هذه الخطوة مطلقاً، لأنه يدرك أن مجرد الإعلان عن التعويم سيؤدي إلى وصول الليرة إلى شبه الانهيار أي تجاوز حاجز 10 آلاف ليرة للدولار (تأثير الصدمة)، وخاصة أن سعر الليرة السورية الحقيقي هو أقل بكثير من السعر الحالي عند حدود 4 آلاف لكل دولار".

 

إثارة نقاشات دون معنى

ويمكن القول إن النظام يتعمد إثارة الحديث عن احتمالية توجهه نحو هذا الخيار، لتصدير رسائل لصندوق النقد الدولي الذي يشجع الدول على تعويم سعر صرف العملات الوطنية، ويشترط في غالب الأحيان اتخاذ هذه الخطوة قبل تقديم القروض والمنح للبلد.

كما يريد نظام أسد أن يُشعِر سكان مناطق سيطرته الذين يعانون من ارتفاع الأسعار، أنه ليس بعيداً عن معاناتهم وأنه يفكر بكل الحلول الممكنة.

التعليقات (0)

    0

    الأكثر قراءة

    💡 أهم المواضيع

    ✨ أهم التصنيفات