سنّة لبنان: تسديد تاريخي لفاتورة التعايش الكاذب!

ملف كتبه لأورينت نت: حسيب عبد الرزاق
تاريخ النشر: 2014-09-28 20:00
ما بين اعتصام الشيخ أحمد الأسير في (عبرا) بصيدا في تموز عام 2012، والذي تحول فيما بعد إلى مواجهات واشتباكات في المدينة شارك في قمعها حزب الله تحت يافطة (الجيش اللبناني)، وما بين صدور حكم إعدام غيابي بحق المطرب فضل شاكر في تموز من عام 2013 على خلفية الانتماء لجماعة الأسير الجهادية، ثم إعلان المجند في الجيش اللبناني (عاطف سعد الدين) في تموز من عام 2014، انشقاقه عن الجيش اللبناني، لأنه "هو وكل سني" كما قال في فيديو انشقاقه، "يعلم أن الجيش اللبناني صار أداة بيد حزب الله" ما بين كل هذه الوقائع التموزية المشتعلة، والتي تحمل دلالات رمزية بالغة الحدة رغم طابعها الشخصي أحياناً... يمكن اختزال المشهد الشعبي لسنة لبنان، بعيداً عن فذلكات وادعاءات المثقفين، وعن تخاذل الساسة، ومشاركتهم في حكومات تضفي شرعية على هذا التهميش، ومراوغتهم في قراءة حال الاضطهاد الذي يمارس على هذا المكوّن اللبناني العروبي، والذي دفع بتلفزيون (إل. بي. سي) قبل أشهر إلى سؤال المنشد الطائفي علي بركات باستهجان عن معنى قوله في أغنيته (احسم نصرك في يبرود):
"يا تكفيري مهما طال.. حزب الله راسك فيه يطال.. ما تفكر إنو الشمال... يحمي وجودك أو عرسال"
فهل صارت البيئة السنية في الشمال وفي عرسال عنواناً للتهديد العلني، باعتبارها حاضنة التكفيريين التي لن يستطيع أحد أن يحميها من (حزب الله)؟!!

حرب المحاصصات والتمثيل
وقبل أن يتهمنا أحد بالطائفية في معاينة هذا الواقع "الطائفي" أصلاً، لا بد من القول أن العديد من الباحثين والمؤرخين أن لبنان تحكمه الرؤية الطائفية في هندسة السلطة منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه استقلاله عن فرنسا عام 1943، وباتت محاولات رفع شعار "إرساء التعايش في لبنان" مجرد مقولات نظرية لا تتفق مع ما يجري على أرض الواقع السياسي في الداخل اللبناني، الذي لم يكن في يوم من الأيام سوى أرض خصبة للصراعات والتجاذبات السياسية إقليمياً ودولياً.
تشير إحصائيات عام 2005، بأن السُنة في لبنان هم الطائفة الأكثر عدداً من بين 18 طائفة دينية معترفا بها، وبحسب قوائم وزارة الداخلية اللبنانية نهاية مارس/آذار 2005 كانوا يمثلون 26.44% من مجموع الناخبين البالغ نحو ثلاثة ملايين وعشرة آلاف ناخب.، وبحسب الجدول الرسمي الذي نشرته جريدة السفير آنذاك، فإن الناخبين السنّة يمثلون نحو 52% من ناخبي الشمال و43% من ناخبي بيروت، ولديهم وجود لا بأس به في البقاع بنحو 24%، أما في الجنوب فنسبة ناخبيهم هي 11.6% فقط، وحضورهم الأقل هو في جبل لبنان بنحو 8.2% من الناخبين. وفي الشمال يلعب الموارنة (27.5% ولديهم 9 مقاعد) والأرثوذكس (15% ولديهم 6 مقاعد) دوراً كبيراً ومرجحاً في اللعبة الانتخابية.

الحرب الأهلية
اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية الدامية عام 1975 ودامت نحو 16 عاماً، كان سببها الصراعات السياسية والحزبية والتجاذبات السياسية والتغييرات الديموغرافية مع تواجد الفلسطينيين، مع تنامي الصراع العربي الإسرائيلي وصراع النفوذ على لبنان بين سورية وإسرائيل، والأطراف كانت تتقاتل ضمن محاور دينية وسياسية تمثلت في المسيحيين الموارنة والشيعة والسنة والدروز ومنظمة التحرير الفلسطينية، والإسرائيليين والجيش السوري الذي بدأت الطائفية تنخر في بنيته القيادية والعسكرية مع نجاح الديكتاتور الراحل حافظ الأسد بانقلاب عسكري عام 1970 أحكم فيه قبضته على السلطة في سورية وبدأ بعلونة الدولة السورية.
مع بداية الحرب الأهلية الدامية اجتاح (حافظ الأسد) لبنان واحتل طرابلس وسهل البقاع وضرب قوات الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيين، ومكن بذلك الميليشيات المسيحية من اقتحام دفاعات مخيم تل الزعتر والذي كان تحت الحصار والقصف المتواصل طوال أشهر ما أدى إلى مقتل الآلاف من الفلسطينين مما أثار غضب العالم العربي ضد الأسد.
وافق نظام الأسد الأب عام 1976 على اقتراح قمة جامعة الدول العربية في الرياض والذي اعطى لسورية حق بالاحتفاظ بـ 40 ألف جندي تحت مسمى (قوات ردع عربية ) تمثلت مهمتها المعلنة في وقف النار واسترجاع الأمن، وانتهت الحرب الأهلية بـ "اتفاق الطائف" عام1989 الذي تم التوصل إليه بواسطة المملكة العربية السعودية، وبمباركة أميركية وانتهت الأحداث بانتشار الجيش السوري بموافقة لبنانية وعربية ودولية وذلك بحسب اتفاق الطائف، وأطلق الاتفاق يد الأسد في التحكم في مفاصل الدولة اللبنانية وقرارها السياسي والسيادي عبر تحالفات أبرمها مع أطراف متعددة في لبنان، وأصدر البرلمان اللبناني عام 1991 قانون العفو عن كل الجرائم التي حصلت منذ 1975 وتم حل جميع الميليشات باستثناء ميليشيا حزب الله الشيعي الذي بدأ منذ لك الوقت بالتفرد بقرار الحرب والسلم مع الاحتلال الإسرائيلي، ومنفصلاً عن الجيش اللبناني الذي بدأت إعادة بنائه كجيش وطني غير طائفي.

الولايات المتحدة، أعطت الضوء الأخضر للديكتاتور الراحل "حافظ الأسد" فأدخل وحدات من الجيش السوري إلى لبنان دامت ثلاثة عقود، وكان عناصر الجيش السوري الذي يقع تحت الهيمنة (العلوية) يعربدون في لبنان ويرتكبون انتهاكات بحق اللبنانيين صادرة عن أوامر عليا من الأسرة (العلوية) الحاكمة بدمشق، وانتهت بانسحاب مذل لجيش الأسد الطائفي بضغط دولي أواخر نيسان عام 2005، بعد اتهام النظام السوري باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وقد تميزت فترة الوصاية السورية بالتهميش الكامل لأهل السنة وحرمانهم من أن يقوموا بدورهم في التمثيل والمشاركة في حكم لبنان.
بعض الطوائف كان يحظى برعاية هذه الدولة الأوروبية أو تلك. وبعضها دخل في حلف طائفي مع عاصمة الوصاية دمشق، ما اضطر جماعات أهل السنة وأحزابها في لبنان إلى الانطواء على نفسها أو الدخول في حلف من طرف واحد مع دمشق، ينتقص من قرارهم، وليس لهم ما كان يجري على غيرهم من منافع. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد كانت الجماعة الإسلامية هي الجماعة الوحيدة التي تم إفشال مرشحيها في انتخابات عام 2000 ، مع أنها كانت تنسق مع دمشق(1).
ولم يشارك السُنّة بتلك الحرب بصفتهم الطائفية، بل وفّروا من خلال فضائهم السياسي الثقافي أرضية خصبة لصعود فصائل وتنظيمات يسارية قومية فلسطينية قادت العمل السياسي والعسكري ضد المارونية السياسية تحت أنظار القيادات السنية التي همّشتها تلك الحرب وأنهت وجودَها السياسي تماماً(2).

رموز السنة في لبنان: الاغتيال ثمن الوطنية
برزت شخصيات سنية فاعلة ومؤثرة على الساحة السياسية اللبنانية منذ الاستقلال عام 1943 وانتخاب بشارة الخوري رئيسا للجمهورية حيث تم تأليف حكومة وطنية برئاسة رياض الصلح، وهو زعيم سنّي قوي من مواليد صيدا عام 1893 وحاصل على إجازة في الحقوق، وكان شخصية وطنية حظيت على ثقة الزعماء والطوائف اللبنانية، فبعد الاعتراف السوري بالدولة اللبنانية الحديثة، احتدم الصراع بين سلطات الانتداب الفرنسي والشارع اللبناني بشأن الوصول إلى استقلال تام عن فرنسا وفيما واصل الفرنسيون تضييق الخناق على الوطنيين انفجر الصراع داخل البيت اللبناني بين فئة تؤيِّد الحماية الفرنسية وفئة أخرى تطالب بالاستقلال التام، هذا التنافس استمر حتى موعد انتخابات عام 1943 حيث تخلَّى الصُّلح عن صديقه التاريخي إميل إدِّي وتحالف مع بشارة الخوري ذي التوجه العربي (3).
في 16 يوليو 1951 وبينما هو ذاهب لمطار ماركا في شمال شرق العاصمة الأردنية عمان بالأردن ليعود إلى بيروت بعد زيارة قام بها لعمّان أرداه عدد من رجال الحزب السوري القومي الاجتماعي بإطلاق النار عليه في سيارته، دفن جثمانه في جوار مقام الأوزاعي في بيروت وتسمى الساحة القريبة منه الآن بساحة رياض الصلح، ولم يمنع اغتيال الحزب السوري القومي (المتحالف حاليا مع نظام الأسد ضد الثورة) رياض الصلح في مطلع الخمسينات، الأرستقراطية السنية اللبنانية من مواصلة تقديم الزعماء(4).
أما "رشيد كرامي" فكان من رؤساء الوزارة الأقوياء في لبنان، والذين لم يرضخوا لنظام الأسد في سورية، وهو من مواليد مدينة طرابلس 1921، وشغل منصب رئيس الوزراء لثماني دورات، كان أولها 1955، وآخرها عام 1984، وتم اغتياله عام 1987 على إثر تفجير طائرة عمودية عسكرية كان يستقلها، واتهم سمير جعجع قائد القوات اللبنانية بتدبير الاغتيال وحُكِم عليه بالإعدام ثم بالسجن المؤبد قبل أن يطلق سراحه سنة 2005، ومازالت جريمة اغتياله غامضة، إلا أن أصابع الاتهام توجهت على الفور باتجاه الأسد الأب، فهو "هويّة القاتل الحقيقي للرئيس الشهيد رشيد كرامي.. والمزايدون على الطائفة السُنيّة.. يدركون تمام الإدراك أنهم لا يستطيعون أن يزايدوا على المفتي الشهيد حسن خالد الذي أصر على العبور لإقامة صلاة الجنازة عن روح الشهيد كرامي في طرابلس من بوابة المتحف مروراً بالدورة وجلّ الديب وضبيّة وجونية وجبيل وحواجز المدفون.. كانت رسالته عمليّة وصامتة تنطق بملء شجاعته بهويّة القاتل الحقيقي للرئيس رشيد كرامي، النظام السوري .. قاتل كلّ القيادات اللبنانيّة منذ الرئيس رياض الصلح وحتى الرئيس رفيق الحريري"(5).
ينتمي رشيد كرامي إلى عائلة سنيّة سياسية عريقة فقد شغل والده وأخوه عمر منصب رئيس الوزراء، وبحسب مراقبين سياسيين حاول نظام الأسد عدم السماح بمجيء خلف قوي له في رئاسة الحكومة اللبنانية، بل حاول الأسد الأب تعويم شخصيات لبنانية سنيّة ضعيفة لرئاسة الحكومة اللبنانية تأتمر بقرارات النظام بدمشق.

بروز رفيق الحريري وتيار المستقبل
يعتبر رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري من أبرز الزعماء اللبنانيين الوطنيين، وقدّم نموذجاً جديداً للواقع السنّي منذ بداية تسعينيات القرن العشرين. كان الحريري رجل أعمال ثري وتميز بعلاقات واسعة وكاريزما سياسية، وبرز كأقوى شخصية سنيّة لبنانية في فترة توليه رئاسة الحكومة في الفترة 1992– 1998 والفترة 2000–2004، وتمكّن من لم شمل أطياف سنية حزبية مبعثرة إلى حد كبير، شكلت تحالفاً قوياً منافساً للتكتلات الحزبية اللبنانية المبنية على الأسس الطائفية والمذهبية، تحت قيادة "تيار المستقبل"، والذي استقطب طوائف عززت من قوتهومن مصداقية التيار ببعده الوطني.
أقلقت طموحات رفيق الحريري التي تجاوزت الطائفة السنية، بارونات الطوائف في لبنان فيما حاول نظام دمشق تحجيم طموحات الرجل، ففي عهده رفع السُنّة شعار (لبنان أولاً) بعد أن كان الأمرُ حكراً على المسيحيين. وتجرأوا من خلال الزعامة الحريرية على رفع شعار "لبنان أولاً" واقتنع السُنّة بلبنانهم وراحوا يفاخرون برفع علم بلادهم، بعد أن إرتفعت دونه أعلام أخرى قبل ذلك. وكم فاجأهم، في هذا السياق، مغادرة بعض المسيحيين (كما تعبّر العونية) لهذه المسلّمات من أجل خيارات سورية إيرانية وافدة (6)
كما أقلق نفوذ الحريري في لبنان وعلاقاته الإقليمية والدولية نظام وارث السلطة بدمشق بشار الأسد، خصوصاً بعد رفض الحريري التمديد الرئاسي لأيميل لحود من خلال تغيير الدستور والتخلي عن المطالبة بالانسحاب السوري، فقام النظام السوري بتبدير اغتياله في 14 فبراير 2005، بحسب تأكيدات كثيرة أهمها، ما صرح به الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، في كتاب مذكراته، حيث هدد الأسد الحريري بأنه سوف ينزل به العقاب الجسدي هو وعائلته، وتمت بحضور نائبه آنذاك عبد الحليم خدام، الذي أكد ذلك بعد انشقاقه عن نظام الأسد(7).
وشكّل اغتيال رفيق الحريري يوم 14 فبراير/شباط عام 2005 ضربة قاسية للساحة السنيّة وللبنان، ويعتبر ثالث رئيس وزراء لبناني يتم اغتياله بعد اغتيال رياض الصلح سنة 1951 ورشيد كرامي سنة 1987. واتهم زعماء المعارضة اللبنانية النظام السوري بالمسؤولية عن اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، من بينهم . الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، والعماد ميشيل عون المسيحي الماروني الذي كان من ألدّ عداء نظام بشار الأسد.
ونزل آلاف المتظاهرين الى الشوارع في مدينة طرابلس الساحلية السنية في شمال البلاد كما تظاهر المئات في بلدة صيدا مسقط رأس الحريري مرددين هتافات تحمل الرئيس السوري بشار الاسد مسؤولية قتله(8).
وأثار اغتيال الحريري احتجاجا جماهيريا وسياسيا كبيرا، أدى إلى إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان التي تدعمها الأمم المتحدة والغرب، للكشف عن الحقيقة تمخض هذا الغضب الشعبي في لبنان عن تحقيقات الامم المتحدة قادها المدعي الالماني ديتليف ميليس أشارت إلى تورط النظام السوري، بعد ان أورد اسماء مسؤولين سوريين ولبنانيين كبار ربط بينهم وبين التخطيط للجريمة وتنفيذها. وقال تقرير ميليس عن اغتيال الحريري و20 آخرين قتلوا في انفجار ببيروت ما كان يمكن أن يتخذ دون موافقة مسؤولي أمن سوريين كبار ودون تواطؤ نظرائهم اللبنانيين في اجهزة الأمن اللبنانية(9).
أسفر اغتيال الحريري عن شعورٍ عام لدى الوسط السني اللبناني بالغبن والتهميش مارسته الوصاية السورية عليهم، وتحدثت صحف أميركية عن فراغ يواجهه سُنّة لبنان بعد غياب الرئيس سعد الحريري، تعبيرات السُنّة تجاوزت زعامة سعد الحريري وتيار المستقبل، لتتجسد في رواج ظاهرة التنظيمات الإسلامية والسلفية التي تجاهر بالعداء للنظام السوري ولحزب الله وحلفائه كحركة الشيخ أحمد الأسير.

الخارطة السياسية السنية
في الساحة السنيّة لعب نفوذ العائلات التقليدية في البداية الدور الأكبر في قيادتها، فبرزت عائلات الصلح وسلام وكرامي، غير أنه مع الزمن برز تياران آخران مؤثران هما تيار دار الفتوى الذي كان له تأثيره القوي خصوصاً تحت قيادة المفتي حسن خالد لكنه ما لبث أن ضعف باغتياله سنة 1989، والتيارات الإسلامية الحركية وأبرز قواها الجماعة الإسلامية التي تنتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين وهي الأكثر تنظيماً ولها حضورها في معظم المناطق اللبنانية، بالإضافة إلى حركة التوحيد التي تتركز في طرابلس وحزب التحرير والتيار السلفي، فضلاً عن جماعة الأحباش التي ظهرت بقوة في العقد الأخير من القرن العشرين.
وفي مقابل استفادة مسيحيي لبنان من دعم فرنسا وأميركا، استفاد السنّة منذ منتصف الخمسينيات وحتى 1970 من الدعم المصري بقيادة جمال عبد الناصر. وخلال الفترة 1970–1982 استفادوا من الوجود الفلسطيني المسلح، ومن دعم حركة فتح خصوصاً لتنظيم "المرابطون" بزعامة ابراهيم قليلات في بيروت، ولحركة التوحيد بزعامة سعيد شعبان في طرابلس، لكن هاتين الحركتين ما لبثتا أن ضُربتا منتصف الثمانينيات، ولم يُسمح للقوى السنيّة بعد ذلك بأن تمثّل حالة عسكرية فعالة، في الوقت الذي غُضّ فيه الطّرف عن تشكّل "كانتونات" لقوى من طوائف أخرى(10).

سنّة لبنان: حاضنة شعبية وداعم للثورة السورية
منذ اندلاع الثورة السورية ضد حكم بشار الأسد في آذار عام 2011 بدا تعاطف سنة لبنان مع الحراك السلمي المتمثل بمظاهرات عمت معظم المحافظات السورية بمدنها وقراها، وشكلت مدينة طرابلس ملاذاً آمناً للمدنيين والناشطين الذين لاحقتهم أجهزة الأمن السورية، كما أن أهالي منطقة (وادي خالد) اللبنانية على الحدود السورية قد فتحوا ممرات لجوء لعشرات الآلاف من حمص وبلدة القصير الهتاربين من قمع الأسد، ثم استقبلت مدينة طرابلس (أكبر المدن السنية) أكبر حاضنة شعبية لأهالي مدينة حمص وريفها، كما اعتبرت المدينة أرض آمنة لمرور الصحفيين عبرها لتصوير المظاهرات السلمية وتوثيق جرائم الأسد في الداخل السوري.
وهذه الحاضنة الشعبية السنية في لبنان هي معارضة للحكم الديكتاتوري لآل الأسد ورحبوا بأفواج اللاجئين القادمين من القلمون وحمص ودمشق، وعلى الرغم من الضغط الاقتصادي والمنعيشي الهائل الذي تسبب به تزايد أعداد اللاجئينن السوريين في طرابلس إلا أن ان السورين يشعرون بالأمان على الأقل، على عكس ما يشعر به اللاجئون السوريون في بيروت التي تخضع للهيمنة الأمنية الميليشيوية لحزب الله الموالي لنظام الأسد والذي تشارك قواته في احتلال المدن والقرى السورية ويحتل حزب الله مدن القصير بمحافظة حمص وبعض مدن القلمون كالنبك ودير عطية وقارة نيابة عن قوات الأسد.
وبحسب آخر تقرير للمفوضية العليا للاجئين في الامم المتحدة فقد تخطى عدد اللاجئين السوريين في لبنان المليون، وبات هؤلاء السوريون من رجال ونساء وأطفال فروا من بطش الأسد في بلادهم، يوازون اليوم ربع عدد سكان لبنان. واوضحت المفوضية أن " 2500 لاجىء جديد يدخل يومياً إلى لبنان، اي اكثر من شخص واحد كل دقيقة".
وتتحمل مدينة طرابلس عبئاً أمنياً كبيراً بسبب إيوائها لعشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، بسبب قيام النظام السوري بإطلاق يد ميليشياته العلوية في جبل محسن المتمثل بالحزب الديمقراطي الموالي له طائفياً، وخلق توترات أمنية عبر إطلاق النار على حي باب التبانة السني، وأدت الاشتباكات إلى مقتل وجرحى العشرات في طرابلس، وطالب "تيار المستقبل" بتدخل الجيش لنزع السلاح من طرفي الاشتباك وإعادة الهدوء إلى المدينة.
وتقوم وسائل الإعلام اللبنانية التابعة لحلف الأسد منذ أكثر من عامين بحملات دعائية تحريضية ضد السوريين المتواجدين في لبنان، وأبرزهم التيار العوني وحزب الله.

الشيخ الأسير: ملء الفراغ السني
برز اسم الشيخ السني أحمد الأسير ذو النزعة السلفية على الساحة الإعلامية في لبنان، بعد أن أعلن تأييده ودعمه للثورة السورية، وقد اشتهر باعتصامه الذي أقامه في مدينة صيدا لعدة أسابيع عام 2012 من أجل نزع سلاح حزب الله، إلا أنه لنم يستطع اجتذاب شعبية واسعة في الوسط السني داخل لبنان، على الرغم من حالة التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي الذين يتعرض لهما اللبنانيون السنة.
فبعد أن اشتد الانقسام في لبنان على خلفية أهوال الثورة السورية، و"في لحظة غياب الاعتدال السني مع إقصاء زعيم تيار المستقبل، ونمو الخطاب المتطرف تعززت ظاهرةالأسير، فوقوف في وجه حزب الله وتمكن امام مسجد بلال بن رباح من جذب بعض الشبان، ليقف بخطاب متشدد ضد الحالة الشيعية الحزبية المتطرفة، وأعلن فتوى الجهاد، ووسع نشاطه فتنقل معتصما مناصرا (أهل السنة) في عدد من المناطق اللبنانية، وبات له أنصار يدافعون عنه، واشتبك مع عناصر حزب الله وقوات الجيش اللبناني قبل أن يتوارى عن الأنظار حتى الآن (11).

أحداث (عرسال)
احتضنت بلدة عرسال ذات الغالبية السنية اللاجئين السوريين الهاربين من الحملة العسكرية التي شنها نظام الأسد بمشاركة ميليشيا حزب الله على مناطق القلمون، وتشترك مع سورية بخطّ حدودي يبلغ 50 كم تقريبا، الأمر الذي سهل دخول اللاجئين السوريين وكذلك مقاتلين ثوار ومقاتلين من جبهة النصرة، ومع التدفق الكبير للاجئين السوريين إلى البلدة تضاعفت أعدادهم حتى بلغت ضعفي سكان البلدة الأصليين، الذين تقدر عددهم بـ 35 ألف نسمة.
وقام الجيش اللبناني بحملة اعتداءات على مخيمات النزوح بعرسال، ويؤكد ناشطون من داخل البلدة بأن هذه الحملة تأتي ضمن سيناريو يخطط له ميليشيا حزب الله، وتهدف إلى خلق أقصى حالة من تدهور الأوضاع في عرسال، لتكثر الخسائر في صفوف الجيش اللبناني والمدنييين، فتدعي مخابرات الجيش بهروب عناصر مسلحة لمجدل عنجر وقرى سنية، فتتم مداهمات واعتقالات بالجملة، فيهرب آخرن من الجيش اللبناني إلى مناطق البقاع الغربي، فتتم ملاحقتهم والضرب بعنف على كل من يحاول ايقاف الملاحقات بحجة وجود إرهابيين، فتنفلت الأمور بطرابلس ويتم التجهيز للعبة ثانية خاصة بطرابس، والنتيجة تكون سيطرة الحزب الكاملة على لبنان بالقوة أو الانزلاق لحرب أهلية (12).
ازدادت حالة التوتر الأمني في بلدة عرسال، وكما تصاعدت اعتداءات الجيش اللبناني على اللاجئين السوريين واعتقلوا الكثير من الشبان بحجة انتمائهم لتنظيم داعش، أو لجبهة النصرة، كما أحرق الجيش اللبناني خيامهم وقام بحملات تعذيب لشبان سوريين مشابهة لحالات التعذيب التي يمارسها نظام الأسد ضد المعتقلين السوريين، وأدى الأمر إلى حالة احتقان كبيرة وانقسامات بين السنة أنفسهم في لبنان، بين مؤيد للجيش وحملته ضد ما يسمى (الإرهاب) وبين تيار سني واسع يرى أن القضية برمتها ليست سوى مخططات ترمي إلى تنفيذ أجندات النظام السوري عبر الجيش اللبناني الذي تحول إلى أداة بيد الأسد وحزب الله، وتزامن ذلك مع عودة رئيس الحومة السابق سعد الحريري من فرنسا بمباركة ودعم سعودي، وإلقائه خطابات (مهادنة) مع حزب الله وأعلن دعمه وثقته بالجيش اللبناني في حملة مشابهة في "شعارات الوطنية" التي يتغنى بها إعلام الأسد على وقع البراميل والمجازر التي يرتكبها النظام بحق السوريين.، وما زالت تداعيات عرسال مستمرة وتستمر حملة قمع اللاجئين السوريين، واعتقالات تعسفية بحق اللاجئين الشباب والرجال بتهمة الاشتباه بانتمائهم لتنظيم (داعش).

أسباب وقوف سُنّة لبنان إلى جانب الثورة السورية
سؤال مطروح الآن على الساحة االسورية واللبنانية والعربية، ويمكن اختتام الملف بإجابة تستعرض جملة من الأسباب الموضوعية التي تتفاوت في مدى دقتها وصوابيتها، حيث تتلخص بالتالي:
1ـ التركيبته الطائفية في البنية السياسية في لبنان تجعل أهل السنّة يفكرون كغيرهم من الطوائف بمصالحهم المذهبية.
2ـ شعور عام في الوسط السني اللبناني بالكراهية تجاه النظام السوري الذي قام باغتيال عدد من زعمائهم السياسيين وخصوصاً بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
3ـ طائفية نظام الأسد في بنيته السياسية والعسكرية وفي تدخله في السشأن اللبناني وتشكيل أحلاف مذهبية تهدد مصالح السنة في لبنان وتهمش دورهم في المشاركة السياسية.
4ـ تحالف نظام الأسد مع حزب الله الشيعي الذي رفض الاندماج في الجيش اللبناني وتسليم سلاحه للدولة، وبقي ميليشيا مسلحة تهدد أمن الطوائف الأخرى في لبنان، وتبعية حزب الله لإيران وتنفيذ أجنداتها الدينية والسياسية.
5ـ التدخل الدولي في الشأن اللبناني وخصوصاً الإيراني والفرنسي والأميركي، وإقامة أحلاف وحماية مع أحزاب وتيارات سياسية مسيحية وشيعية دون الالتفات إلى الكتلة السنية التي بقيت في مهب العواصف السياسية في المنطقة.

المصادر:
(1) الطاهر إبراهيم: (لمصلحة من كان يتم تهميش أهل السنة في لبنان؟)
(2) محمد قواص: (السُنّة في لبنان: حكاية غضب!)، موقع (ميدل إيست أون لاين):1/11/2012
(3) وثائقي الجزيرة، الجريمة السياسية، (رياض الصلح أسباب وتداعيات اغتياله): 2005/7/5
(4) غسان الإمام: (سنة لبنان بين هيمنة الموارنة وصعود الشيعة)، صحيفة (الشرق الأوسط)،19 أبريل 2013، العدد (12561).
(5) ميرفت سيوفي: (سمير جعجع.. من اغتال رشيد كرامي؟) موقع حزب القوات
(6) محمد قواص، (السُنّة في لبنان: حكاية غضب!)، موقع (ميدل إيست أون لاين): 1/11/2012
(7) يوسف لهلالي، نشر في الاتحاد الاشتراكي 15 - 06 - 2011
(8) (اللبنانيون يصبون غضبهم على سوريا بعد اغتيال الحريري)موقع البوابة، 15 شباط/فبراير 2005
(9) صحيفة (اليوم)، (تقرير ميليس.. واقتربت الحقيقة)، السبت 22 أكتوبر 2005 العدد 11817.
(10) محسن صالح، (السنة في لبنان وانتخابات المجلس النيابي القادمة)، موقع (الجزيرة نت): 13/2/2006
(11)دنيز رحمة فخري: (من هو أحمد الأسير) الموقع الإلكتروني لقناة (MTV)، 25 / حزيران / 2013
(12) حسيب عبد الرزاق: (مخيمات عرسال في قلب الكارثة: قصف ثأري لخسائر حالش)، موقع (أورينت نت)، 2 / آب / 2014: [/subtitle]

كلمات مفتاحية:

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
مقتل مدني وإصابة 10 آخرين بقصف لميليشيا أسد على بلدة كفرلاتا جنوب إدلب. ميليشيا أسد تشن عمليات دهم واعتقال في بلدة محجة شمال درعا .مقتل عنصرين من ميليشيا الحرس الثوري الإيراني بهجوم لمسلحين مجهولين شرق حمص.مقتل سيدة فلسطينية برصاص القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية.السعودية تعلن اقتصار فريضة الحج للعام الحالي على 60 ألف شخص من داخل المملكة."مجموعة السبع" تقر مبادرة لمساعدة الدول متدنية الدخل.مقتل 7 مدنيين وإصابة 6 آخرين بتفجيرين متتالين بالعاصمة الأفغانية كابل .الجيش الصومالي يعلن مقتل 10 من عناصر حركة "الشباب" بعملية عسكرية وسط البلاد .مصرع 8 أشخاص نتيجة تسرب مادة كيماوية سامة من مصنع جنوب غرب الصين.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en