على الناس أن تموت

ديمة ونوس – أورينت نت
تاريخ النشر: 2015-01-05 08:00
كان حسام يقود سيارته مسرعاً إلى مشفى "عين ترما" الميداني. إلى جانبه يجلس صديقه حاملاً طفلة لم تتجاوز السنة والنصف. وجداها في مدخل إحدى الأبنية. كانت أمها مستلقية على الأرض تحتضنها بكلتا يديها. مغمضة العينين كانت أمها. أمسك حسام بيدها وراح يتلمس كالمجنون شرايينها الزرقاء النافرة من رسغين نحيلين. يتلمس وأنامله تقتفي أثر النبض، دون جدوى. اختنقت الأم مرمية وحدها في مدخل العمارة، محتضنة ابنتها التي بالكاد تلتقط أنفاسها ثقيلة مشبعة بالصفير. وهو يقود السيارة لإسعاف الطفلة، بدأ الغبش يتسرّب إلى عينيه ورأسه صار صخرة فوق كتفيه، ثقيلاً وموجعاً. "صرت أسحب نفسي من ثقب الإبرة"، هذا ما قاله حسام وقد ضافت حدقتاه حتى تخيلتهما ثقبي إبرتين بالفعل. ثم تعطلت ذاكرته وظلّت عالقة في ذلك الثقب المنمنم. يكمل القصة مستعيراً ذاكرة صديقه وما رواه له عن ذلك اليوم. نزل حسام من السيارة وصار يختال بمشيته، هائماً على وجهه، سارحاً، رأسه يلوح فوق كتفيه وكأنه كرة على سطح مائل، تقاوم جاذبية السقوط. ثم بدأ يتقيأ دماً. حمله صديقه إلى المشفى والطفلة لا تزال معهما. تركاها هناك تتلقى العلاج. حقنوه بالأتروبين. عادت إليه ذاكرة يكسوها الغبش. رأى في بهو المستشفى كومة من الجثث المكفّنة بالأبيض. كانت كومة. يشدّد حسام على كلمة كومة مستجدياً خيالي المعقّم من تلك المشاهدات، لأحاول تصديقه. إنها كومة جثث مكفّنة بالأبيض. تلك الجثث كانت قبل لحظات قليلة أجساداً تحمل وراء أضلاعها أرواحاً خفاقة وقلوباً تنبض وتاريخاً وذاكرة وأحلاماً. ها هي الآن مرمية، يتدفق الفراغ إلى تضاريسها.
"تتسع حدقة العين. تتسع وتفيض كأنها لا تستوعب ما يجري. يضيق التنفس. القفص الصدري تتشنّج قصباته وتضيق ويصبح الهواء ثقيلاً. تصطك الأسنان. كل ما في الجسد يرتجف ويبرطع، حتى المعدة تصبح كائناً مستقلاً عن الجسد، تروح تقفز في البطن، الأمعاء كذلك والكبد والكليتان، كل أعضاء الجسم تتنطّط".

عاد حسام إلى البيت. الفجر ينسلّ كان من فلول الظلام، ليس أي ظلام. كان لونه مختلفاً ذلك اليوم، بنفسجي. يقول حسام إن اللون البنفسجي المتسرّب من القذائف كان أقوى من لون الظلام الدامس، كأنه يتمدّد على صفحة بيضاء، واضحاً، صارخاً، لا ريب فيه. خلع ملابسه كلّها. رمتها أمّه وكأنها تتخلص من كل أثر للكيماوي. لا بل كأنها ترمي ذاكرتها عن ذلك اليوم. تمدّد حسام على الكنبة في الصالون بالقرب من الشباك الزجاج محكم الإغلاق. كان يرتجف تحت لحاف ثقيل في شهر آب اللاذع. أزيز قذيفة هاون ارتجف في السماء. حسام يستطيع كمعظم سكان المناطق الثائرة تمييز أصوات القذائف والصورايخ. أزيزها كان ثاقباً. يقترب منه شيئاً فشئياً وهو عاجز عن الحركة. سقط الصوت في العمارة المقابلة لعمارتهم. تحطّم الشباك فوقه من صدى الصوت. للصوت طاقة هائلة على التخريب. أسعفه والده من جديد إلى المشفى، هذه المرة لتقطيب جرحاً عميقاً في ساعده الأيسر. كانت طائرات النظام قد بدأت تقصف عين ترما كي تمنع الأهالي من إسعاف المصابين، من إنقاذ بعضهم البعض. على الناس أن تموت، فوراً أو على مهل. ومن نجا من الإصابة، فليمت تحت القصف.
غاز الكيماوي ثقيل. أثقل من الهواء، يقول حسام. الناس راحت تركض بشكل غريزي إلى الطوابق العليا خوف استنشاق الغاز الهابط ببطء كنتف ثلج بنفسجية اللون.

حسام اليوم في بيروت. هرب مع عائلته كلها. نعم بات الكلّ واحداً بعد الثورة، نبقى كلّنا أو نرحل كلّنا. الحياة باتت رخيصة والإنسان كذلك، يقول حسام. "وليس الرحيل سهلاً. إنه اقتلاع الروح من وطنها، حتى لو كان ذلك الوطن مهيناً، إلا أنه يبقى وطناً". يحكي حسام كيف نال درجة ممتازة في البكالوريا وكيف خيّب أمل أمّه إذ لم يقبل دراسة الطب مع أنه استحقّها. لا يحبّ باطن الجسم والدماء تصيبه بالغثيان. لم يكن يعرف أن باطن الجسم سيراه ويتأملّه رغماً عنه، من دون أن يدرس الطب. ركض وراء طموحه، واختار الهندسة المعلوماتية. لم ينم في الليل، كالأطفال عندما يتحضّرون لرحلة ما في صباح اليوم التالي. لم يغمض عينيه طوال الليل في انتظار الصباح. ارتدى ملابسه على عجل وشق طريقه إلى الجامعة ليحضر الدرس الأول له فيها. على باب الجامعة، استوقفه عنصر أمن وطلب هويته الشخصية. لاحظ أنه من الغوطة كما هو مدوّن على البطاقة الصغيرة. البطاقة عندما تتحول إلى مصير. عندما يتقلص الإنسان/المواطن، ويصبح بكل طاقته وذاكرته وجسده وروحه وعقله، مجرّد كلمة أو كلمتين تعرّفان عنه وعن طائفته وعن قدره ومصيره. طرده عنصر الأمن من الجامعة صارخاً في وجهه ألا يعود إلى هنا مجدّداً. أهل الغوطة لم يخلقوا ليتعلموا في الجامعات، بل ليقصفوا بالكيماوي.

كلمات مفتاحية:

commentالتعليقات

إقرأ أيضاً

if($('.nav-wrapper').width()<900){ google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "8024336238"; google_ad_width = 300; google_ad_height = 250; } else { google_ad_client = "ca-pub-8530768961177157"; google_ad_slot = "1705860969"; google_ad_width = 728; google_ad_height = 90; }
انفجار سيارة مفخخة في تل حلف بالحسكة.71 إصابة جديدة بفيروس كورونا في الشمال السوري.39 إصابة جديدة بفيروس كورونا في مناطق قسد.شركة "وتد" ترفع أسعار المحروقات للمرة السادسة بإدلب.زلزال بقوة 4.2 يضرب مدينة إسطنبول.مقتدى الصدر: فصائل من الحشد الشعبي متورطة بالقصف والاغتيالات.الأردن.. إصابة 17 من موظفي "أونروا" بكورونا.ارتفاع عدد ضحايا الفيضانات في السودان إلى 124.المفوضية الأوروبية تقترح اتفاقا جديدا حول طالبي اللجوء.واشنطن تعاقب شبكة مرتبطة برجل أعمال روسي مقرب من بوتين.واشنطن لا تعترف بلوكاشنكو رئيساً "انتخب شرعياً" لبيلاروسيا.https://www.facebook.com/Orient.Tv.Net/.https://twitter.com/orientnews?lang=en.دمشق 96.5 - ريف دمشق 96.7 - درعا 99.2 - اللاذقية 94.2.الرقة 102 – حلب 95.8 – إدلب 94.6 – حمص 94.6 – حماة 94.6.القامشلي 99.6 - الحسكة 99.6 - تركيا / الريحانية - أنطاكيا 95.8