فجر الخامس من تشرين الأول / أكتوبر 2013 قوة كوماندوز أمريكية، تقوم باختطاف نزيه عبد الحميد الرقيعي، الشهير بـ "أبي أنس الليبي" بعد أدائه لصلاة الفجر في أحد مساجد العاصمة الليبية طرابلس. يوم الثالث من كانون الثاني / يناير 2015 المحامي برنار كلينمان يعلن لصحيفة (واشنطن بوست) أن أبا أنس الليبي، توفي في أحد مستشفيات نيويورك يوم الحمعة (2) كانون الثاني / يناير 2015، موضحاً أن صحة موكله المُصاب بسرطان في الكبد، قد تدهورت إلى حدّ كبير خلال الشهر الماضي. هكذا قبل عشرة أيام من الموعد المقرر لمحاكمة أبي أنس الليبي برفقة رجل الأعمال السعودي خالد الفواز لاتهمامها بضلوعهما في تفجير سفارتي الولايات المتحدة بكينيا وتنزانيا عام 1998.. يرحل الرجل الذي رصدت الولايات المتحدة مكافأة خمسة ملايين دولار لمن يرشدها في القبض عليه... يرحل الليبي حاملا أسراره الخاصة، وتاركاً وراءه هو والفواز دفوعات ببراءتهما من التهم التي وُجّهت إليهما! المصير التراجيدي الغامض لرجل القاعدة، الذي بدأ حياته السياسية أو الجهادية بالقتال ضد نظام الطغيان والجنون الذي كان يحكم من خلاله معمر القذافي جماهيريته الليبية الشعبية العظمى... هذا المصير يبقى ملتبساَ بشبهة الإهمال الطبي، لرجل لم يتجاوز الخمسين عاماً... ولهذا حمَّلت أسرة أبو أنس الليبي السلطات الأميركية مسؤولية وفاته.. وقال أحمد نزيه، أحد أبناء أبو أنس الليبي، إن الأميركيين الذين سجنوا والده ومنعوا ذويه من زيارته، أهملوا تقديم العلاج لوالده بعد العملية، وتسببوا في وفاته! ولد أبو أنس الليبي في مدينة طرابلس في الثلاثين من آذار / مارس 1964 أي قبل خمسة أعوام من قيام القذافي بانقلابه الأسود الذي أطلق عليه اسم (ثورة الفاتح) وهكذا فقد عاش جل حياته في ظل حكم القذافي لليبيا... حتى تخرج من كلية الهندسة فيما كانت تسمى (جامعة الفاتح)، حيث درس علوم الكمبيوتر، تزوج من ليبية وله منها 4 أبناء. لم يكن قد مضى على تخرجه من الجامعة سوى سنوات قليلة حين انضم أبو أنس الليبي عام 1990 إلى (الجماعة الليبية المقاتلة) التي حاولت الإطاحة بنظام معمر القذافي.. وبعد قمع القذافي لتلك الجماعة في مطلع التسعينات، فر أبو أنس الليبي من ليبيا الى السودان، حيث إنضم الى صفوف القاعدة عام 1994وتقدم بسرعة في صفوفها بفضل درايته في مجال المعلوماتية وانظمة الاتصالات، ليصبح أحد قيادييها. سافر أبو أنس الليبي إلى أفغانستان واليمن قبل حصوله على اللجوء السياسي في بريطانيا التي اقام فيها في مدينة مانشستر ثم ألقت شرطة سكوتلاند يارد القبض عليه في عام 1999، وتم التحقيق معه. إلا أنها أطلقت سراحه لعدم ثبوت أية أدلة ضده، وعندما وجهت إليه محكمة اميركية تهماً بالتورط في تفجير السفارتين في 1998، غادر بريطانيا ليجد مأوى له في أفغانستان وباكستان.. وبقي هناك حتى اندلعت ثورة السابع عشر من فبراير 2011 ضد نظام معمر القذافي، لم يجد أبو أنس الليبي فرصة تاريخية أهم كي يعود إلى بلاده، وكي يشارك في المعارك الى جانب الثوار الليبيين ضد النظام الذي تشرد بسبب طغيانه وظلمه.. فشارك في المعارك ببسالة، وزف أحد أبنائه شهيداً في مواجهة القوات الموالية للقذافي خلال عملية تحرير طرابلس في أكتوبر 2011. عاش أبو أنس لمدة عامين كاملين في مسقط رأسه طرابلس، بعد أن تحررت من عبث وجنون القذافي... وعندما قامت قوة (دلتا) الأمريكية باختطافه في أكتوبر 2013 جرى الحديث نقلا عن مصادر أميركية وليبية متطابقة، عن دور لمدير المخابرات الفلسطينية في الضفة الغربية اللواء ماجد فرج، توفير معلومات قيمة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. أي.) ساعدت في تحديد تحركات أبو أنس الليبي واختطافه... ووفقا لتقرير مسرب، فإن ضابطين فلسطينيين تابعين له في ليبيا، قدما إسهاما مميزا في توفير معلومات ساعدت على القبض على أبو أنس الليبي. في العرف القانوني يعتبر أبو أنس الليبي (مشتبها به) أو (مجرد متهم) لم تدنه المحكمة بعد، في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، والتي تسببت بمقتل (12) أميركياً، وإصابة (5000) آلاف أفريقي بجراح... أما في العرف السياسي فأبو أنس الليبي هو "متطرف" صنعه نظام الاستبداد والقمع الذي كان يقوده القذافي، والذي كان يباركه الغرب الديمقراطي ويتعامل معه ويبيع ويشتري منه، وسيصنع العشرات من أمثاله مستقبلاً، ما دام هذا العالم الجائر يتآمر على حرية الشعوب بتعامله مع أنظمة ديكتاتورية وحشية، تهين كرامة الإنسان في هذا الشرق الحزين... وتدفع به نحو التطرف وهو يدافع عن حرية معتقده الديني، أو حرية ممارسته للسياسة في أنظمة حولت أوطانها إلى سجن كبير، وأورثت الأرض الفوضى والخراب بعد رحيلها!