يحاول الصحفي والمترجم السوري منصور العمري، في كتابه (الشأن السوري في عيون الغرب) أن يضع إشكالية "الفهم الغربي" للثورة السورية لإسقاط حكم الديكتاتور بشار الأسد، تحت المجهر محللاً الصورة الذهنية والنمطية المشوهة عمّا يجري في سورية والتي ترسخها كبريات الصحف الدولية، التي اكتفت في تسويق الشأن السوري عبر الأخبار المثيرة والصور القاسية ومقاطع الفيديو المأساوية والمعارك العنيفة بين الأطراف المتصارعة بعد أن تسلحت الثورة لحماية وجودها. يعتبر كتاب الصحفي والحقوقي (العمري) الصادر عن (دار نون للنشر) في الإمارات العربية المتحدة، الأول من نوعه من حيث وضوح الطرح ومن حيث مضمونه التحليلي النقدي للصورة المتشكلة لدى المجتمع الغربي عن الشأن السوري، حيث يناقش الكتاب كيف أغفلت الصحف الغربية (بغض النظر عن النوايا والسياسات) الحراك المدني السلمي للشعب السوري ونضاله في مواجهة الحكم الديكتاتوري وآلته العسكرية والأمنية العنيفة التي تسببت في قتل وسجن وتشريد الملايين من السوريين. يطرح (الكتاب) الذي صدر حديثاً بـ (184) صفحة من القطع المتوسط ، أهمية توحيد المصطلحات في الإعلام العربي بشكل عام وإعلام المعارضة السورية بشكل خاص، بحيث تصبح مرجعيةً للإعلام الدولي، من أجل عدم ترك الباب مفتوحاً أمام الطارئين على الوضع السوري ذوي المعرفة المحدودة بما يجري في سورية أو لمن يريد تزييف الحقائق والتلاعب بالمفاهيم لخدمة توجهات سياسية ما. ومن أهم المصطلحات التي تتناولها الصحافة الغربية والتي ناقشها المؤلف: "ثائر أم متمرد، الجهاد، المسلم والإسلامي، النصيريّة (العلويّة)، الصحافة والمواطن الصحفي،الصحفي المقاتل"، يقول الكاتب: "راجت مفردة Rebel في الإعلام الغربي، وانتقدها عديد من الإعلاميين السوريين وحتى الناشطين على اعتبارها تعني متمرد وليس ثائر"، فما الفرق بين المفردتين وما هو المعنى الحقيقي للمفردة الإنكليزية؟..تعني مفردة (Rebel) الشخص الذي يرفض نمطاً اجتماعياً أو نظاماً سياسياً خاطئاً برأيه وربما يقوم بفعل أو مجموعة من الأفعال لمحاربته"، ويتساءل الكاتب: "هل يجب استخدام مفردة ثائر أم متمرّد كمقابل في اللغة العربية؟". كما يناقش المؤلف مصطلح (المواطن الصحفي) و(الصحفي المقاتل)، فالأول برز حينما قامت الحكومة السورية والأجهزة الأمنية الداعمة لبشار الأسد بفرض قيودٍ حديدية على العمل الإعلامي بجميع أشكاله منذ سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1963 وبدأت بإحكام القبضة على مخرجات المعلومات بكل أشكالها مع بداية الحراك عام 2011، ومنعت الإعلام الخارجي من الدخول إلى الجغرافية السورية فأصبح العمل الإعلامي خطراً حقيقياً على صاحبه ما حدا بكثير من الصحفيين السوريين المحترفين إلى الهروب من سوريا والانشقاق علناً أو سراً، وآخرون تمت تصفيتهم أو تغييبهم في المعتقلات. وفي ظل هذه الظروف السوداوية التي قمعت الإعلام وحاربت الحقيقة في سورية، برز المواطن الصحفي كمزود رئيسي ووحيد للخبر والمعلومات في تحدٍ للتضليل الفاشل والتلفيق الذي مارسه إعلام الأسد. ونتيجة لهذه الظروف اضطر كثير من الناشطين الإعلاميين إلى حمل السلاح "فهو الهدف المفضّل لدى قوات الأسد ومع ضرورة تواجده في ساحات القتال ومناطق النزاع من أجل تزويد العالم بالحقائق كان لا بد له من حمل السلاح دفاعاً عن حياته". يركز إصدار (العمري) المشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي انطلق اليوم ( 28 كانون الثاني / يناير) بمشاركة 26 دولة و850 ناشر، على "انتقائية المحتوى" و"تحوير المعلومات" في الصحافة الغربية لدى تناولها للشأن السوري في مقالاتها وتقاريرها، الأمر الذي أبعد الجمهور الغربي عن حقيقة ما يجري بالفعل في سورية حيث انتهجت كثير من الصحف الأوروبية والأمريكية "توصيفات مبتكرة" تعتمد في أغلب الأحيان على استخدام مفردات أو مصطلحات غير مناسبة. يتضمن الكتاب في قسمه الثاني قراءات في مخرجات الإعلام الدولي بترتيب زمني يقدّم مرجعاً تاريخياً عن أهم الأحداث في سوريا خلال عامي 2013 و2014، مسبوقةً بعناوين دليليّة وتمهيد للمحتوى، وكان قد ترجم مقالات وتحليلات وتقارير نشرها موقع (أورينت نت) الإلكتروني وهو وسيلة إعلامية مكملّة لتلفزيون أورينت نيوز المعارض، والذي يستقطب شريحة واسعة من السوريين. من خلال هذا الإصدار، يساهم الكتاب في إضافة للمحتوى العربي للمعلومات، ويلعب دور وسيط بين الثقافات الغربية والعربية، ويوفر قراءات في وجهات نظر العالم الغربي للشؤون العربية.  المؤلف في سطور منصور العمري، صحفي ومترجم سوري، عضو رابطة الصحفيين السوريين، ساهم في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا مع بداية الانتفاضة السورية. عمل في عدة صحف ومجلات سورية، وعمل في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير حين تم اعتقاله من قبل جهاز مخابرات القوى الجوية من مكتبه في العاصمة السورية دمشق. بعد الإفراج عنه في شباط 2013 استمر العمري في عمله بتوثيق انتهاكات حقوق الانسان في سورية وفي المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ثم انضم فيما بعد إلى منظمة (مراسلون بلا حدود). شغل العمري سابقاً (رئيس تحرير) القسم الإنكليزي من (مجلة السلام) الأسبوعية وهي الطبعة السورية من المجلة الأميركية، وكان المترجم الرسمي لمهرجان دمشق السينمائي للأفلام القصيرة، وعمل أيضاً كمترجم لمنظمة هيومن رايتس ووتش والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير ومركز توثيق الانتهاكات في سورية. حاز االمؤلف "جائزة الشارة الدولية للصحفيين" عام 2012 ، وجائزة "هيلمان هاميت" للمدافعين عن حرية الفكر في العام 2013 .