الملك سلمان يلتفت إلى إيران.. و(الحزم) تثلج قلوب السوريين!

أورينت نت – محمد عزيزي
تاريخ النشر: 2015-03-29 23:00
أثناء تولي الملك فيصل بن عبد العزيز وزارة الخارجية السعودية في ثلاثنيات القرن الماضي، طالب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وذلك بعد قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، لكن طلبه لم يتم الموافقة عليه حينها، ومالبث أن وقف مرة أخرى في سبعينيات القرن الماضي (عندما تسلّم القيادة) بوجه أمريكا مطلقاً مقولته الشهيرة: " عشنا، وعاش أجدادنا على التمر واللبن، وسنعود لهما".

حفرت تلك المواقف في الذاكرة العربية، واعتبرت (فيصل) ملكاً عليها حتى يومنا هذا، تفتخر به في كل جلسة، وتثني على تصرفاته وقراراته الشجاعة، بل تعدى ذلك إلى نظرة العرب والسوريين خصوصاً إلى ابنه وزير الخارجية الحالي الأمير سعود الفيصل، نظرة إيجابية في توصيفه أنه (ابن ابيه).

لم ينازع أحد من ملوك السعودية، مكانة فيصل في الذاكرة العربية تاريخياً، إلى أن جاء الملك (سلمان) مؤخراً ليكرر وبشكل أسرع مما يتخيل العربي مافعله أخيه (فيصل) قبل عقود.
اختلف الأمر مابين الملكين (فيصل) و(سلمان)، في أن الأول وقف وقفة تاريخية بوجه واشنطن بسبب الهيمنة الإسرائيلية، وأن الثاني اتخذ قراراً تاريخياً بالوقوف في وجه واشنطن بسبب التوغل الإيراني "السافر" في المنطقة العربية.

اختلف السبب هذه المرة، بخطرٍ يراه كثيرون بأنه قد يكون أكبر بكثير، إذ يهدد أربع دول عربية هذه المرة، وليست دولة واحدة كما السابق، واختلف في كون المنطقة العربية تشهد ربيعاً عربياً جعله الأسد مصطبغاً بدم السوريين، في مشهد وموقف دولي مريب لم يعاقب (دولة الفرس) التي أسست وساهمت وأخيراً شاركت في العلن، بتنفيذ المأساة السورية، بل ذهب الغرب وخصوصا الولايات المتحدة بصفقات حول (برنامج نووي إيراني) الذي يهدد المنطقة العربية بالعموم، وتستخدمه إيران "للزعرنة" فيها.

جاء (سلمان)، وبقرارات سريعة، شن عاصفته على كافة الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة، وأكد فيها أن المملكة يمكن أن تكون الشقيق الأكبر للبلدان العربية والمسؤول عنها، كما أنها يمكنها أن تواجه إيران وتمددها بمفردها أو بالتحالف مع بعض الدول العربية والإسلامية الأخرى، والأهم أزاح الوهم الذي باتت يعشش في أذهان المليشيات الموالية لإيران في المنطقة وكذلك لأمريكا وإيران أنفسهما، ومنعهما من التفكير ولو لوهلة واحدة أن تكون السعودية بنداً من بنود أي اتفاق قادم بين واشنطن وطهران!
وتلخصت رسائل (عاصفة الحزم) ، بأن أي اتفاق (أمريكي - إيراني) على حساب الأمن العربي سيقلب الطاولة الدبلوماسية رأساً على عقب، وليس كما كانت تتوهم الإدراة الأمريكية في أنها هي من تتحكم في حلول المشاكل العربية الخليجية - الإيرانية.

في مايخص سوريا، وقبل 3 أشهر تماماً، لم يكن في مخيلة السوريين أن تقود المملكة العربية السعودية أسلوباً مغايراً للدبلوماسية التي اعتمدتها منذ بداية الثورة السورية، حيث لم تتزحزح السياسة السعودية من مكانها في إدانتها للنظام وتجريم الأسد وكذلك دعم بعض فئات المعارضة، بالإضافة إلى دعمها الإعلامي العلني للثورة، ولم يكن نهج الدول العربية المؤيدة للثورة، بأحسن حال من المملكة، لكنها كانت محل انتقاد شعبي سوري كبير، سيما أنها ليست كغيرها من الدول العربية من حيث ثقلها السياسي العربي والإقليمي والمؤثر على القرار الدولي، ومن حيث مكانتها الروحية الدينية بالنسبة للعرب وللمسلمين.

بعد تسلم الملك سلمان، بدت السياسة السعودية تشّي باتخاذها نوعاً مغايراً لتعاملاتها مع الخطر الأكبر (الإيراني)، الذي يواجهه السوريين منذ 4 أعوام. تمثل ذلك أخير بعملية عسكرية في اليمن، ولايُعرف إن كانت ستمتد وتصل إلى سوريا، لكنها بطبيعة الأحوال، تبدو مبشرة من ناحية ترتيب الأولويات التي تضع إيران كأخطر من يواجه الأمة، وذلك بعد امتداد إيراني أمعن في "وقاحته".

بدا الملك سلمان، أكثر منطقية في ترتيب الأولويات في التعامل مع المخاطر التي تحاصر المنطقة العربية، فأعاد العلاقة مع تركيا، ولم يخض في (مهاترات) الملف المصري، الذي شغل الخليج لفترة طويلة على حساب ملفات ضخمة ودامية كالملف السوري.. وكان إيمان السوري بأن السعودية لا تمارس دورها الحقيقي المأمول منها في إيجاد حل جذري في الوقوف بجدية أكبر بوجه إيران.

فاجأت عملية (عاصفة الحزم) العرب عموماً، والسوريين خصوصاً، وتساوت في أهميتها وضجيجها إلى حدٍ ما أهمية انطلاق الثورة في إي بلد عربي.
بكل صراحة، كان إحساس السورريين متفائلاً بتحركٍ سعودي بعد تسلم الملك سلمان دفة القيادة، لكنه بذات الوقت لم يبلغ به التفاؤل إلى درجة دخول المملكة حربا مباشرة مع مليشيات طهران في المنطقة، ولا نعرف كيف ستؤول إليه الأمور وتتطور!
لقد فعلها ( سلمان)، وفاجأ حتى الولايات المتحدة نفسها، فلم تستطع واشنطن إلا مباركة (العاصفة)، حتى وإن كانت تمتلك توقيت العملية قبل فترة وجيزة من انطلاقها، أو حتى عند التخطيط لها، فالقرار ليس اعتياديا على الولايات المتحدة هذه المرة، وهو ينبئ بتحول ما يقول أنه مهما بلغ التنسيق مع الأمريكان، فإنه عندما تعمى عيون هؤلاء أو يتعامون عن رؤية مصالحنا، فإننا سنراها ونقدرها بأنفسنا.

عمد الملك (سلمان) إلى ترتيب بيته الداخلي في غضون شهرين من بداية تسلمه الحكم، ثم انطلق للمواجهة المصيرية مع امتدادٍ إيراني يزداد غروراً وغطرسة، ولم يتوقف عند مأساة سورية، أو سطوته على لبنان، وبلطجته على العراق، بل امتد دون خجل أو مواربة إلى اليمن بمبدأ طائفي بحت، كما بدأه بالفعلّ!

مؤخراً، قال الكاتب السعودي المعروف (جمال خاشجقي) في مقالٍ له سماه ( مبدأ سلمان): "لكل زمان دولة ورجال وسياسة خارجية. اليوم وبعد «عاصفة الحزم» فإن الزمان سيجود بما هو أكثر من ذلك. إنه «مبدأ سلمان». والحق أن كلمة مبدأ لا تشرح الفكرة تماماً، إذ إن أصل هذا المصطلح الكلمة الإنكليزية Doctrine التي تعني «سياسة تقوم على مبادئ والتزامات أخلاقية». وأبرز «مبدأ» اشتهر في العصر الحديث هو «مبدأ ايزنهاور»، الرئيس الأميركي الوحيد الذي أنصف العرب عندما «أمر» الإسرائيليين والبريطانيين والفرنسيين بالانسحاب من مصر بعد عدوانهم الثلاثي عام 1956. لكن مبدأه اشتهر قبل ذلك، ويقوم على التزام الولايات المتحدة بالنصرة وتقديم العون مادياً أو عسكرياً لأي دولة تتعرض للتهديد من دولة أخرى".
لكن الكاتب أوقف عملية (عاصفة الحزم) التي يأمل السوريين أن تمتد إلى بلادهم ولو بهبوب بسيطة، أوقفها بمفرده عندما ختم مقالته بالقول "كثيراً ما صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برغبته في فرض منطقة حظر طيران ثم منطقة آمنة في شمال سورية، بل إنه عرض فكرته على الملك سلمان خلال قمتهما الأخيرة ووجد كل تأييد منه. لكن السائد أن تحقيق هذه الرغبة لن يكون من دون موافقة الولايات المتحدة، إذا نجحت عملية «عاصفة الحزم» فقد تقلب هذه القاعدة، وينتفي الشرط الأميركي، فيقول أردوغان: إذ فعلها السعوديون فلم لا أفعل مثلهم؟ لننظر وننتظر ونرَ، ومثلما أيد أردوغان السعودية في عمليتها في اليمن، ستؤيده السعودية بالتأكيد إذا ما قرر الأخذ بـ «مبدأ سلمان».

ولعل ما فعله الأمير سعود الفيصل في ختام القمة العربية، لا يدلل على ماقاله الكاتب ولمح إليه، في وقوف السعودية مكتوفة الأيدي لمايجري في سوريا، لقد بدت نبرته في الرد على رسالة بوتين نارية، ولا تقل حرارةً عن الرد على إيران وحوثييها في اليمن قبل المعركة بيومين.. فهل تستعيد السعودية مكانتها الرئيسة بين العرب كراع لهم ومدافع عنهم؟؟
إذا مافعلت ذلك بقيادتها الحالية، فإن (سلمان) سيدخل الذاكرة العربية بكل تأكيد كشخصية تاريخية وقفت في وجه أعداء الشعب العربي والإسلامي.. كما دخل الملك فيصل بن عبد العزيز طيب الله ثراه.

كلمات مفتاحية