لو قيّض لأحد المتابعين أن يبحث في تصريحات ومواقف شخصية عربية، كانت الأكثر ثباتاً من الثورة السورية خلال السنوات الأربع المنصرمة، والأكثر إصراراً على تجريم نظام الأسد، دون أي استثناءات أو تبريرات أو موارابات، فلن يجد أفضل من اسم وزير الخارجية السعودي الأمير (سعود الفيصل) كي يقرأ في سيرة مواقفه وأقواله هذا الثبات الذي لم يتزحزح، والذي لم يَهِن، ولم يضعف. بالطبع لا ينطلق سعود الفيصل من مسعى شخصي بحت، فهو يمثل سياسة بلاده ومواقفها، لكن يمكن للسوريين أن يدركوا رغم ذلك، أن الفيصل لم يكن يمثل سياسة بلاده فقط، ففي السياسات العامة كثيراً ما فجع السوريون بطعنات آثمة في ظهر ثورتهم، وتبدلات متلونة في مواقف من انقلبوا على أعقابهم، لينكروا على الشعب السوري حقه بالحياة الحرة الكريمة... أما سعود الفيصل، فقد كان هو هو لم يتبدل، الصوت النقي الحاد، الذي يخرق ديبلوماسية السكوت حين تحضر مأساة الشعب السوري، حتى لتملح في نبرة صوته إيمان ذاتي عميق، لم يسكت يوماً عن محاولة افتراء أو تزوير أو خلط أوراق... كما في اجتماع القمة العربي الأخير، حين رد الفيصل في الثامن والعشرين من آذار / مارس الماضي، على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي دعا فيها إلى تغليب الحل السياسي السلمي في سورية! قال الفيصل بنبرة فاضحة حادة: "روسيا سلحت النظام السوري الذي يفتك بشعبه، وهذا النظام فقد شرعيته، وروسيا تتحمل مسؤولية كبيرة في مصاب الشعب السوري... وروسيا تقترح حلولا سلمية وهي مستمرة بتسليح النظام السوري". وأوضح ألا يحق لنا أن نسألهم كيف يمكن أن يدعو إلى الحل السلمي وفي نفس الوقت يستمر في دعم النظام السوري الذي فقد شرعيته وفقد كل ما لديه من اتصالات بالعالم المتحضر؟! ثم تساءل الوزير السعودي بغضب قائلا: "كيف نفهم الرسالة؟ هل هي استخفاف بآرائنا أو تجاهل لحجم الكارثة؟" قال الفيصل كلمته في قلب القمة التي يترأسها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفي أرض التحولات التي جعلت من أرض الكنانة، خيبة جديدة في سجل خيبات الشعب السوري من تخاذل الأشقاء... فبدا الموقف في الزمان والمكان، ناصعاً قوياً، يصفع من تذبذبوا وتلونوا، ونسوا مجازر الكيماوي والسكود والبراميل المتفجرة! لم يكن رد الفيصل على بوتين هو الموقف السجالي الوحيد الذي خاضه شيخ الديبلوماسية السعودية دفاعاً عن الثورة السورية، فالوزير الذي ورث المنصب عن أبيه الملك فيصل بن عبد العزيز بعد اغتياله على يد ابن شقيقه عام 1975، (كان يحتفظ بحقيبة الخارجية إلى جانب كونه ملكاً)، خاض سجالات عدة، عكست إيمانه العميق بثورة أشقائه السوريين على نظامهم القمعي المجرم: - في كانون الثاني / يناير من عام 2012 تساءل سعود الفيصل في اجتماع (وزراء الخارجية العرب) المنعقد في القاهرة: "هل من الشيم العربية أن يقتل الحاكم شعبه؟" وهل مهمة الجيوش العربية أن تفتك بمواطنبها أم تحميهم وتحمي أعراضهم وممتلكاتهم وتحفظ أمنهم واستقرارهم؟ إن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر... ولا نقبل بأي حال من الأحوال أن نكون شهود زور أو أن يستخدمنا أحد لتبرير الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري الشقيق أو للتغطية والتستر" - في شباط من عام 2012 انسحب سعود الفيصل من جلسة (مؤتمر أصدقاء سوريا) المنعقد في توسن احتجاجا على عدم فعالية الاجتماع، وأشار وزير الخارجية السعودي إلى أن التركيز على المساعدات الإنسانية للشعب السوري لا يكفي، مشدداً أن المملكة لا يمكنها أن تشارك بأي عمل لا يؤدي لحماية السوريين سريعاً. - في أيلول / سبتمبر من عام 2014 وخلال ترؤسه وفد بلاده إلى اجتماعات الدورة الـ69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، كان الفيصل في وجه محاولات خلط الأوراق بين "محاربة الإرهاب" ودعم ثورة الشعب السوري، وكانت كلماته النافذة تسقط الأقنعة والذرائع: "أن معركتنا مع الإرهاب يجب أن تبدأ بالقضاء على الشروط المجحفة التي أنتجته في المقام الأول".. وكان يقصد بذلك نظام الاستبداد والإجرام الأسدي الذي أوجد التطرف. الفيصل عاد ليسرد في خطابه ذاك مشواراً من العلاقة مع الثورة السورية، قلما ألمّ به وزير خارجية عربي أو أجنبي حتى ممن يوصفون بأنهم "أصدقاء الشعب السوري" قال: "قبل عامين ونصف اجتمعنا كمجموعة دول أصدقاء سوريا لنعلن للعالم أجمع دعمنا لحق الشعب السوري لنيل حقوقه وحريته وكرامته وأنه في ذلك الحين لم يكن هناك جماعات إرهابية ولم يكن هناك معارضة معتدلة وأخرى متطرفة ولا استخداما للأسلحة الكيمائية ضد المدنيين العزل وكان عدد القتلى والمعتقلين تعسفا أمرا مفجعا حيث تجاوز ذلك عشرات الآلاف، وها نحن نجتمع اليوم ليس للحديث عن حق الشعب السوري في الدفاع عن نفسه ونيل حقوقه المشروعة بل للحديث عن مكافحة التطرف والإرهاب ليس في سوريا فقط بل في العراق ومناطق أخرى في المنطقة والبحث في سبل دعم المعارضة السورية المعتدلة وعزل المعارضة السورية المتطرفة وقد تجاوز عدد القتلى المائتين ألف قتيل وعدد المشردين من ديارهم التسعة ملايين في داخل سوريا وخارجها". ثم أضاف متسائلاً بمرارة وعينه على مصاب السوريين: "كيف وصلنا إلى هذا الوضع الذي نحن فيه الآن؟! إن التاريخ يعلمنا أنه كلما طال أمد الصراع الداخلي المسلح وزادت وحشيته كلما زاد نفوذ وتمكن الجماعات المتطرفة، ولعل النظام السوري وحلفاءه في الداخل والخارج كانوا أكثر من غيرهم دراية بهذا الدرس التاريخي". يبلغ الفيصل المولود عام (1940) والحائز على شهادة البكالوريوس بالاقتصاد من جامعة (برنستون) في ولاية (نيوجيرسي) بالولايات المتحدة عام 1963، الخامسة والسبعين عاماً.. ويقال أن الفيصل يتقن لغات عديدة إلى جانب العربية والإنكليزية، كالفرنسية والإيطالية والألمانية والأسبانية وقيل من العبرية. ويظهر الأميرالسبعيني الذي قضى ثلاثة عقود كاملة في منصبه، وهو يعاني من مرض (باركنسون) الذي يسبب له رعشة غير إرادية، والذي سبق وأصاب نجم الملاكمة الشهير محمد علي كلاي. لكن آثار المرض، لا تمنع الوزير من أن يرفع صوته في سجالات الحق، والدفاع عن أشقائه السوريين، وذاكرة السوريين الحبلى بالخذلان، تقول للأمير سعود الفيصل: "شكراً" كما قالها الإئتلاف الوطني حين أصدر بياناً الشهر الماضي يشكر فيه الأمير على رده على رسالة بوتين... فقد أبى نظام السيسي أن يغيّب ممثلي الثورة عن اجتماع القمة العربي الأخير... لكن سعود الفيصل كان حاضراً، ليرد عن الشعب السوري افتراءات نظام المافيا الروسي، ويفح افتراءاته... فكان الفيصل كان بحق: "وزير خارجية الثورة السورية".