الكيماوي على سوريا.. كيف أصبح رد الفعل الامريكي كارثياً

أورينت نت – عمر الخطيب
تاريخ النشر: 2015-08-24 23:00

كل شيء كان يدل على أن الأسد سيستخدم السلاح الكيميائي، وبالرغم من قيام أوباما باطلاق تهديداته للنظام، بأن ذلك لن يتم غفرانه، فإن ردات فعل أوباما والغرب عموماً على الهجمات الكيميائية الصغيرة التي سبقت هجوم آب الكبير 2013، أغرت نظام بشار الأسد وإيران للدفع إلى الأقصى في مجازفة محسوبة النتائج، كما تبين لاحقاً، حيث قام النظام باستهداف مدن في الغوطة الشرقية "زملكا، جسرين، عربين،عين ترما، كفربطنا،حمورية" ومدينة "معضمية الشام" في الغوطة الغربية  في 21 آب 2013.

بمرور المجزرة دون عقاب حصلت إيران على ما تريد، من تهديد مباشر للشعب السوري بأن لامحظورات قانونية أو انسانية في حربها ضده، كما حصلت على ما يشبه الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية لاستخدام كل أنواع الأسلحة، بما فيها أسلحة الدمار الشامل، في حربها على سوريا.
لا يمكن للإدارة الأمريكية الادعاء بأنها تفاجأت بالهجوم الكيماوي على الغوطة فهي لم تكن المرة الأولى التي يستخدم بها النظام هذه الأسلحة، كما أن كثرة التهديدات والخطوط الملونة التي أدت إلى لا شيء، أطلقت جنون إيران والنظام وبدلاً من كف يد النظام عن السوريين تدل الوقائع على زيادة معدل استهدافه للمدنيين واستخدامه لأسلحة جديدة.

تقارير استخباراتية
قام اوباما بالإدلاء بعدة تصريحات، قبل هجوم آب الكيماوي، حملت تهديدات مباشرة للنظام السوري، من أن أي استخدام لهذا السلاح سيكون له تبعات خطيرة، وجاء كلام أوباما متزامناً مع عدة تقارير صحفية ودراسات من المعاهد الأمريكية، بناءاً على تقارير استخباراتية أمريكية عن وجود نشاط متزايد في مخازن الأسلحة الكيميائية السورية، علماً أن الأسد كان قد باشر في شن عدة هجمات كيماوية بكميات محدودة، كما سنرى لاحقاً، قبل هجوم آب.
كانت احتمالات لجوء النظام للسلاح الكيماوي بشكل واسع، تزداد مع التقدم المطرد لقوى الثورة السورية وتقهقر قوات النظام، وكتب الضابط أميركي السابق لشؤون الاستخبارات الدفاعية "جيفري وايت" في شهر كانون الأول من عام 2012، مقالاً تحليلياً في موقع معهد "واشنطن للدراسات" تعرض فيه لاحتمال استخدام الأسد للكيماوي  "إن استخدام الأسلحة الكيميائية ليس خياراً مؤكداً على الإطلاق، إلا أن احتمال حدوثه قد ارتفع بشكل كبير وسوف يزداد كلما دنت ساعة سقوط النظام."
وكان الرئيس الأميركي "أوباما" قد صرح في 3 كانون الأول 2012 بأن الولايات المتحدة لن تقبل استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، وستكون هناك تبعات لاستخدام كهذا، وبشكل مباشر يقول وايت "وعلى الرغم من إصدار واشنطن تحذيرات مماثلة في الماضي، إلا أن الوضع قد تغير، حيث يتعين على الإدارة الاستعداد لاختبار [صدقية] تصريحاتها".

قبل مجزرة الغوطة
اعترف النظام السوري بامتلاكه للأسلحة الكيميائية في 23 تموز 2012 على لسان المتحدث باسم وزارة خارجية النظام وقتها "جهاد مقدسي"، وأكد يومها أن النظام لن يستخدم أي سلاح كيميائي أو جرثومي إلا في حال تعرضه لاعتداء خارجي، وفهم الجميع أن هذا تهديد مباشر بقرب استخدام هذا السلاح.
لم تكن مجزرة الغوطة الشرقية في 21 آب 2013 هي المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام الأسلحة الكيميائية، فقد سبق له أن استهدف مدن ومواقع سورية أخرى قبل هذا التاريخ. حيث قام النظام باستخدام السلاح الكيميائي للمرة الأولى ضد حي "البياضة" في حمص بتاريخ 23 كانون الأول 2012.
استخدم النظام السلاح الكيماوي في قصف عدة مناطق ومدن سورية أخرى قبل شهر آب 2013 "في ريف دمشق (العتيبة وعين ترما وداريا وبلدة الطيبة)، والشيخ مقصود في حلب، وسراقب في إدلب، وجوبر ومخيم اليرموك في دمشق".
ووثقت "الشبكة السورية لحقوق الانسان" 33 هجوماً بالغازات السامة في الفترة الممتدة من 23 كانون الأول 2012 إلى 27 أيلول 2013 أي أن النظام استخدم الكيماوي 30 مرة على الأقل أمام أنظار العالم أجمع  قبل آب، ومع ذلك لم يبذل أحد أدنى جهد لمنعه من استخدامه بشكل واسع وتنفيذه لمجزرة رهيبة في الغوطتين في آب 2013.
ويعتقد الكثير من المحللين والمتابعين أن تراخي الإدارة الأمريكية والدول الغربية، في التفاعل مع هذا الانتهاك الخطير الذي قام به النظام، بتداءاً باعترافه الصريح بملكيته للسلاح الكيماوي، وتمييع قضية استخدامه بين لنكار وطلب تحقيق، دفع به لشن هجومه الكبير على بلدات الغوطة الشرقية ومعضمية بريف دمشق في شهر آب من عام 2013 حيث ارتقى أكثر من 1600 شهيد.

التفوق بالتصعيد
شهد عام 2012 زخماً كبيراً في عمليات الجيش الحر ضد النظام، حيث تمكن، بالرغم من تواضع التسليح وبدائيته أحياناً، من تحقيق تقدم مهم في كافة أنحاء سوريا، وقدر المحللون وقتها المساحة المحررة من سوريا بين 60% إلى 70% بحيث عنونت صحيفة "الشرق الأوسط" في عددها الصادر في 14 تشرين الأول 2012 "المعارضة: الجيش الحر يسيطر على 60% من سوريا نهاراً و90% ليلا".
مع بداية 2013 كان واضحاً أن الدعم "الروسي – الإيراني" للنظام هو أحد أهم أسباب استمراريته بالرغم من خسائره المتكررة، حيث مولت إيران عشرات الميليشيات من مرتزقة أجانب لتقاتل إلى جانب النظام، وفعلاً تمكنت ميليشيا "حزب الله" الطائفية من احتلال مدينة القصير بعد تدمير المدينة بشكل كامل وقامت الميليشيا بتهجير أهل المدينة بعد ارتكاب مجزرة كبيرة بحقهم.
ويقول الدكتور "يزيد صايغ" الباحث في مركز "كارنيغي للشرق الأوسط" في مقال له بتاريخ 12 حزيران 2013 (أي بعد استهداف النظام لمدينة خان العسل بالسلاح الكيميائي بثلاثة أشهر وقبل مجزرة الكيماوي بالغوطة الشرقية بشهرين) أن "النظام يمتلك "التفوق في التصعيد"، أي القدرة على التحكّم في وتيرة التصعيد. وقد طبّق بالفعل تكتيكات الأرض المحروقة لإخلاء مناطق واسعة حول دمشق وأماكن أخرى من السكّان."
ويتابع الدكتور صايغ بأن النظام السوري يرد على حصول الثوار لأسلحة نوعية من خلال التسبب عمداً في تدفق أعداد ضخمة من اللاجئين إلى الأردن ولبنان، فـ"سمعة النظام السوري في استخدام الأسلحة الكيميائية قد يجعل من الأسهل بالنسبة إليه التسبّب في عمليات فرار جماعي لأعداد كبيرة من اللاجئين".
وكان هذا التكتيك هو ما اتبعته صربيا في "كوسوفو" رداً على بدء حلف الاطلسي عملية القصف الجوي عام 1999، ما جعل الحلفاء الغربيين في مواجهة احتمال الاضطرار إلى توفير قوات برية لحماية السكان الكوسوفيين.

زوبعة تصريحات .. فقط!
بعد انتشار خبر الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية ومعضمية انطلقت حملة من البيانات المنددة بالمجزرة والمستنكرة لها تخللها بعض التهديدات من الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية كبريطانيا، لكن البيانات والتهديدات اللفظية بقيت مجرد عناوين رئيسية لبضعة أيام في نشرات الأخبار لا غير.
بعد انقشاع زوبعة التصريحات والتهديدات الأميركية، قررت الإدارة الأمريكية وبريطانيا التوجه إلى السلطة التشريعية في بلدانهم للحصول، كما قالوا، على موافقتهم للقيام بعمل عسكري ضد مواقع السلاح الكيماوي لدى النظام السوري رداً على استخدامه للأسلحة الكيميائية، في خطوة فسرها الجميع على أنها هروب من تعهداتهم بمنع النظام من استخدام السلاح الكيميائي.
كان مشهد النقاش في مجلس العموم البريطاني تراجيدياً أمام سيل الصور والفيديوهات التي قام السوريون بنشرها على صفحات التواصل الاجتماعي برغم الآلام التي تحملها، معتقدين أنها قد تؤثر في تقليل التعامي الدولي عن أفعال النظام وداعميه.
تناوب أعضاء مجلس العموم في التشكيك بالجهة المسؤولة عن تنفيذ الهجوم الكيماوي، وطلب الأدلة الدامغة بمسؤولية النظام عن تلك الهجمات!، أو التحدث عن خطر ضرب الاستقرار في المنطقة، وخطر الحركات "المتطرفة الاسلامية"، كما قارن بعضهم مع حادثة التضليل والخداع التي مارسها "طوني بلير" لتبرير غزو العراق في عام 2003، بالرغم من الفرق الشاسع بين الحالتين.

ماذا يعني تخلي أوباما عن خطه الأحمر
خطورة ما حصل بعد مجزرة الغوطة ليست بعدم وجود رد دولي رادع فقط، ولكن لأن مستوى التهديدات الأمريكية وحالة التجييش الإعلامي والتصريحات الموجهة إلى السوريين، وصلت إلى مستويات عالية، حيث كان بامكان أمريكا والمجتمع الدولي، لو كانوا صادقين، ابتكار طرق أخرى بعيدة عن الخيار العسكري لردع النظام ومعاقبته على استخدامه للأسلحة الكيميائية.
وبالتالي كان التراجع عن كل ذلك، وبوساطة روسية، كارثياً على السوريين بكل معنى الكلمة، فعدم اتخاذ أي رد حقيقي لردع النظام، أعطاه احساس بالقدرة على ضرب كل المحظورات بعض الحائط، وابراز روسيا وكأنها عراب اتفاق اتلاف المخزون الكيماوي السوري، استثمره النظام للتباهي بـ "اخلاص" حلفائه.
فموقف الإدارة الأمريكية والدول الغربية عززت من ثقة إيران والنظام بنظريتهم عن سعي الغرب للاحتواء فقط دون التأثير بالتوازنات القائمة، وأدى هذا التخاذل الدولي إلى زيادة عدد ميليشيات المرتزقة الأجانب التابعة والممولة إيرانياً، حيث دفعت إيران إلى سوريا بعشرات الميليشيات من العراق ولبنان وأفغانستان تحت شعارات دينية طائفية، وقامت هذه الميليشيات بالعديد من المجازر الدموية في سوريا على مرأى من الجميع.
وقام النظام باستخدام صواريخ أرض- أرض بما فيها صواريخ "سكود" بشكل متزايد ضد المدنيين بالاضافة إلى البراميل المتفجرة التي تجاوز معدل استخدامها اليومي 100 برميل، كما زاد من معدل استخدامه لغاز الكلور السام. والمثير في الموقف الدولي من مجزرة الغوطة أن النظام، وإزاء كل تحرك للثوار، كان يعمد إلى تصعيد العنف بشكل وحشي لم يكن يجرؤ عليه قبل المجزرة.!
بالعودة لتقرير "الشبكة السورية لحقوق الانسان"، قام النظام السوري بتنفيذ أكثر من 125 هجوماً بالغازات السامة ضد المدن والقرى السورية منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2118 في 27 أيلول 2013 حتى 8 آب 2015 بالرغم من الاتفاق الأمريكي مع روسيا على تدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية لدى النظام.

أوباما يضرب داعش والأسد يستخدم الكلور!
كان القرار الأمريكي الغربي بتشكيل تحالف دولي لتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم داعش صادماً ومستهجناً، فهو لم يتطلب من أوباما وأعضاء التحالف الآخرين القيام بحملة إعلامية أو العودة للبرلمانات، وتمت هذه الحملة بتجاهل واضح لدور نظام الأسد في نشوء وتقوية داعش، وكأن داعش ظهرت على حين غرة.
وجاءت هذه الحملة بعد كل التخاذل عن اتخاذ أي فعل حقيقي لحماية الشعب السوري من حرب الإبادة التي يتعرض لها من قبل النظام السوري وميليشيات المرتزقة الممولة إيرانياً، التي تصاعد دورها بشكل ملحوظ بعد الاتفاق الأمريكي الروسي على كيماوي سوريا.
كان مشهد الطائرات الأمريكية في السماء السورية وهي تقصف مواقع داعش، جنباً إلى جنب مع طائرات النظام التي تقصف المدن والقرى السورية بصواريخها الفراغية والبراميل المتفجرة التي حمل بعضها بغاز الكلور السام، مشهداً مؤلماً للسوريين عصياً على التفسير.  
آثار كارثية
بالعودة لمقال "وايت" الذي سبق هجوم آب الكبير بثمانية أشهر نجد انه قد حذر مما قد يحصل بتالي الأيام بحال حنث الادارة الأمريكية بتعهداتها واكتفائها بالرد الديبلوماسي، حيث أن عدم الرد على استخدام النظام للأسلحة الكيميائية سيؤدي إلى آثار كارثية، وهذا ما حصل فعلاً وما زال يحصل "إن عدم الرد بالقوة على أي استخدام للأسلحة الكيميائية سوف يكون وبالاً، حيث سيرى النظام ذلك كضوء أخضر لشن المزيد من الهجمات، بينما ستجده المعارضة تخلياً تاماً عنها."
فالنظام استغل أن الكلور لم يكن مدرجاً في المواد الكيميائية التي اضطر النظام لتسليمها، رغم أن استخدامه في الحرب ينتهك اتفاقية الأسلحة الكيميائية، التي انضمت سوريا إليها بوساطة روسية. في حين كان النظام السوري يسلم مخزونات السارين وغاز الخردل، كانت قوات الأسد تصنّع "القنابل البرميلية" التي تحتوي على الكلور وترميها بشكل عشوائي من المروحيات على الأحياء التي تسيطر عليها قوات الثوّار.
وهذا دفع صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية التي عنونت " أوباما يعطي الأسد تفويضاً لاستخدام الأسلحة الكيماوية مرةً أخرى" للقول بأن إدارة أوباما، ومنذ بداية حملتها الجوية ضد تنظيم داعش، غضت الطرف عن جرائم نظام السوري، حيث حظي الأسد بتغطية معاكسة منحته مزيداً من الجرأة الإجرامية والتي بدت أبعد ما يكون عن البراءة، بل ربما التوافق الضمني على التعامي عن إجرام الأسد وحلفائه.

موقف مخزي
وبالرغم من كون موقف الإدارة الأمريكية والدول الغربية من الثورة بسوريا اعتمد نظرية الاحتواء، إلا أن موقفهم المخزي من الضربة الكيماوية، وبنفس الوقت، استمرار منعهم الأسلحة النوعية عن الثوار، أدى لنتائج كارثية على الشعب السوري، حيث أن إيران تعززت ثقتها بأنها والنظام السوري، خارج نطاق المحاسبة الدولية، فقامت بخرق كل المحرمات وأمام أنظار الجميع، وملأت أرض سوريا بالميليشيات في حين ملأ الأسد سماءها بالبراميل والكلور.

إقرأ أيضاً