في هذه الحلقة من سلسلة (الأكراد في سورية والعراق) يكشف الباحث مهند الكاطع أن الأكذوبة الكردية التي تقول أن حزب البعث غير اسم (كوباني) إلى (عين العرب) وأن حافظ الأسد هو من سماها كذلك، لا أساس لها من الصحة، مثل معظم الادعاءات الكردية التي لا تستند لوثائق. فقد تسمى القضاء بهذا الاسم منذ عام (1938) أي قبل أن يكون هناك شيء في الوجود اسمه (حزب البعث) الذي تأسس عام (1947)، وحين كان حافظ الأسد طفلا عمره (8) سنوات يلعب في أزقة القرداحة (أورينت نت) جهل البرازني بقضية (عين العرب)! في حوار البرزاني مع غسان شربل في صحيفة (الحياة) بتاريخ 8-2-2015 وعن الوضع المعقد لمدينة (عين العرب) قال البرزاني بالحرف: " كوباني مدينة كردية تماماً. غيّروا اسمها وجعلوه عين العرب. يريدون إزالة الملامح الكردية. ما هذه الشوفينية؟ " يبدو أن قيام قوات البيشمركة بمعارك في عين العرب بتنسيق دولي ضد داعش قد جعلت البرزاني ينسى بأن هذه المناطق هي جزء من سورية وليست تركة استعمارية حتى يتوهم بأنها قد تكون جزء من دولة يمتد نفوذ البرزاني من خلالها ليس فقط للمناطق المتنازع عليها في العراق، إنما إلى مناطق هي جزء أساسي وتاريخي وديموغرافي من سورية. ولا أدري من يسعى لإزالة ما أسماه السيد البرزاني الملامح الكردية وأين هي تلك الملامح من لفظة "كوباني"؟ فالكل يعلم بأنها لفظة محلية مأخوذة عن "كومباني" دلالة على الشركة الألمانية للسكك الحديدية التي كانت تعمل في المنطقة بداية القرن العشرين، ناهيك عن أن منطقة (عين العرب) تشهد تنوعاً سكانياً ظاهراً، فإلى جانب الأكراد هناك العرب بأعداد كبيرة في ناحيتي (الشيوخ) و(صرين) التابعة لقضاء (عين العرب)، وهناك الأرمن الذين كانوا أول من قطن البلدة وافتتح فيها المحال التجارية عند تاسيسها زمن الفرنسيين؛ فضلاً عن أنهم زرعوا الأراضي وشكلوا أغلبية سكانها حتى الخمسينات، فهي ليست كردية كما صرح السيد البرزاني، وموضوع أنهم جعلوها "عين العرب" " بدلاً من كوباني فهذا فيه مغالطة تاريخية وزلة لسان ربما أو معلومة خاطئة تلقاها البرزاني من أفواه بعض من يدلس التاريخ في سورية لدوافع وأطماع قومية، ولا يكلف خاطره تقديم أدلة أو ثائق تدعم ادعاءاته. إذ ان المدينة زمن العثمانيين لم تكن سوى قرية تابعة لناحية (سروج) المرتبطة بقضاء (أورفا) والمرتبط بدوره بولاية حلب، و كان اسمها (عرب بينار) وهي التسمية التركية المأخوذ و تحولت لقضاء عين العرب سنة 1937م بقرار من حكومة الرئيس السوري هاشم الأتاسي، وتمت تسميتها قضاء (عين العرب) وتم تحديد قرية "عرب بينار" مركزاً لهُ وأصبح ابن دير الزور السيد منيب الحسيني سنة 1938 قائمقام لها (1) ولا تزال الحارة القديمة في البلدة تحمل ترجمة الاسم العثماني القديم بالكردية ايضاً (كانيا عربان) بعد أن بدأ الأكراد ينتقلون إليها من الأرياف، بما فيه ريف (سروج) التي أصبحت ضمن تركيا بعد سلخ الإقليم الشمالي عن سورية ضمن اتفاق فرنسي – تركي! إذن (كوباني) اسم تداوله سكان المنطقة دون أن يحمّلوه بعداً قومياً لأن الاسم لا دلالة عربية له او كردية، رغم الإيحاء من قبل بعض الساسة في الأحداث الأخيرة التي وقعت في (عين العرب) بأن للاسم دلالة قومية، وأن عين العرب ما هو إلا جزء من سياسة "تعريب" قام بها نظام "البعث"! هل هناك شيء اسمه كردستان في سورية؟ في إطار الحديث عن أكراد سورية ومناطقهم أدلى البرزاني بتصريح آخر مغاير للواقع وهو يؤكد لي مجدداً بأن الأحزاب الكردية تتعمد التحريف والتزييف على أعلى المستويات ، ويتم هذا وبكل أسف بشكل فاضح لا يقيم وزناً للحقائق التاريخية والمنهج العلمي حتى لو كان ضمن نطاق التاريخ الحديث، يقول البرزاني : " هناك منطقة القامشلي والحسكة، لكن التعريب الذي حدث عزل كوباني عنهما كما عزلها عن منطقة عفرين" لا أدري .. هل يحق للسيد مسعود برزاني أن يتحدث عن مناطق سورية وهي شأن سوري بحت؟ هل اصبح الوجود التاريخي منذ آلاف السنين للحواضر البشرية في القرى المنتشرة في المناطق التي اشار إليها البرزاني بأنها تعربت بين الحسكة وعين العرب وعفرين هو عملية تعريب ؟ هل يدرك السيد البرزاني المساحة التي تنتشر بها آلاف القرى العربية في المناطق المومئ إليها كما هو مشار في الخارطة مثل تل أبيض و جرابلس وعين عيسى والسخنة و صرين ومنبج والباب ومئات النواحي والبلدات التي نشأت قبل عين العرب أو عفرين بقرون فهل كل هذا نتيجة سياسة التعريب !!! وهل فعلاً جرت سياسات تعريب لفصل عين العرب عن الحسكة أو عفرين علماً ان كل تلك المدن الحديثة بنيت أيام الفرنسيين ومن السهل معرفة هل فعلاً تم عزلها ؟ ومن سكانها ؟ واتباع كل تلك الادعاءات والتحقق منها بعيداً عن العواطف ! ثم كوني سوري أولاً وابن هذه الجزيرة الفراتية ثانياً فأنه يحق لي أن اتساءل ... هل فعلاً الحسكة والقامشلي مدن كردية كما يزعم البرزاني في سياق حديثه؟ وما هي أسس التي اعتمدها في هذا التصنيف لمدن سورية واعتبرها كردية؟ هل هي اسطورة التقسيم التي الحقت جزء من كردستان في سورية ؟. أم هل هذا التصنيف يأتي ضمن سياق الدعاية والكذبة التي أطلقها بعض القوميين وصدقها بعض الأخوة الأكراد من أن الأكراد يشكلون أغلبية وأنهم يعيشون على أرضهم التاريخية وأن الآخرين "غير الأكراد" طارئين وضيوف ومستوطنيين كما يحلو للبعض تسميتهم قد جرت عليهم بالفعل وصدقوها دون أدنى دلائل! أقلية مهاجرة باعتراف محمد كرد علي! كلنا يعلم جيداً وخاصة نحن أبناء الحسكة بأن الأخوة الأكراد في محافظتنا هم اقلية تربطنا بها أواصر قربة وجيرة واندماج ولا تتجاوز نسبتهم 30% في أحسن حالاتها ، وكلنا يعلم بما لا يخفى على ذي لب بأن تاريخ قدومهم واستقرارهم فيها حديث توثقه الوثائق الفرنسية!! وتحدث عنه وزير المعارف السوري العلامة المشهور محمد كرد علي الذي زار الجزيرة سنة 1933 وأعد تقريراً عن أوضاعها وذكر الأقليات المهاجرة آنذاك وأقترح ايضاً بنقلهم من الحدود نحو داخل سورية لتسهيل الاندماج بالمجتمع ، علماً أن محمد كرد علي ينحدر من أسرة كردية . نعم أيها السادة ... الأكراد السوريين جزء أساسي من مكونات الشعب السوري ، لكن لا يوجد شيء في سورية أسمه مدن أو مقاطعات أو أقاليم كردية، والترويج الإعلامي لمناطق كردية يكذبه الواقع والحقائق التاريخية سواء من الناحية التاريخية أو من الناحية الديموغرافية السكانية أو الجغرافية. أحيلكم أيضاً إلى السيد كاميران بدرخان من ابرز قادة الحركة القومية والثقافية الكردية ومنظري الفكر القومي الكردي في بداية القرن العشرين و ابن العائلة التي أقامت حكومة شبه ذاتية في جزيرة ابن عمر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في محاضرته بعنوان ” المشكلة الكردية” أمام الجمعية الملكية الآسيوية بلندن في 6- تموز – 1949م قال وسأقتبس ماقاله ” إن المنطقة التي تمر بها الحدود التركية العراقية هي قلب كردستان، إذا اعتبرنا الجزء الممتد حتى بحيرة اروميا التي تسيطر عليها ايران ، فيتضح جلياً المنظر العام لكردستان المقسمة بين تركيا وايران والعراق” ثم يتابع إلى أن يصل في نهاية المحاضرة للقول مرة اخرى : " استولت على الشعب الكردي ثلاث دول ، لذلك انقسمت كردستان بين هذه الدول الثلاث وهي أيران وتركيا والعراق" (2) مصطلحات ظهرت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق! إذن كل هذه المصطلحات المتعلقة بكردستان سورية حديثة بدأت تظهر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003 وازدادت بشكل ملحوظ إعلامياً منذ انطلاق الثورة السورية ، وبدء مصطلح "مناطق كردية" في إشارة إلى منطقة الجزيرة بشكل خاص إضافة إلى عفرين وعين العرب يأخذ طريقه للإعلام عبر ضخ إعلامي كبير مارسه الناشطين الأكراد الذين بدوا أنهم متشبثين بحلم قومي كردي وأنهم في نشوة الشعور القومي اليوم بخلاف الشباب العرب الذين يبدون بأنهم اقل حماساً للطرح القومي ولا يشكل يمثل طرح شعارات قومية بالنسبة لهم إلا مزيد من المزايدات بعد أن ملوا سماعها من نظام امتهن تلك الشعارات التي لم يسعى إلا لممارسة نقيضها على أرض الواقع. وتأكيداً لما قلناه سابقاً من أطماع لدى الأحزاب الكردية التي تزداد وتيرتها بازدياد الأهمية التي يمنحها لها المجتمع الدولي فتظهر أكثر للعيان، فقد ناقشت الأحزاب الكردية و البرزانية في القامشلي قبل أيام في إطار تشكيل المرجعية الكردية المشتركة خارطة تمثل المناطق التي يجب ضمها للمناطق الكردية ، فالحسكة وعين العرب وعفرين مناطق أطلق عليها حزب الاتحاد الديمقراطي أسم "الكانتونات" وقال بأنها تخضع لإدارة ذاتية ، وناهيك عن أن هذه المناطق أو ما أسموها "الكانتونات" هي مناطق مشتركة يقطنها عرب وأكراد وسريان وأرمن وأطياف أخرى، فأنه من المهم معرفة بأنها لا تشكل أغلبية كردية ايضاً فضلاً عن أنها غير متصلة، بل تفصل بينها مناطق بطول مئات الكيلومترات و تنتشر بها آلاف القرى والنواحي العربية، وتمثل تلك المناطق الفاصلة ثلاثة أضعاف المناطق المنضوية تحت مشروع الإدارة الذاتية، وبما أنه الغاية تبرر الوسيلة؛ فإن مسألة تأمين "ممرات آمنة" بين هذه المناطق هي ذريعة أطلقها ممثلي بعض الاحزاب الكردية بكل سذاجة لضم جميع الأراضي التي تفصل تلك الكانتونات إليها وتسميتها جمعيها بكوردستان سورية! أين تقع المناطق الكردية في الجزيرة السورية؟! الخارطة المرفقة تم نشرها في صحيفة (الحياة) اللندنية نقلاً عن نوري بريمو عضو "المجلس الوطني الكردي" إحدى كتل الائتلاف السوري ووضعها مع مسودة نظام داخلي لمرجعية كردية قوامها الأحزاب الكردية المجتمعة في مدينة القامشلي الواقعة تحت سيطرة النظام السوري حتى اللحظة. توضح الخارطة تلك المناطق المتخيلة للأكراد في سورية، ولاتنسى الإشارة لدول الجوار التي يغيب فيها اسم فلسطين ليحل محله أسم إسرائيل. تاريخ الجزيرة السورية ينفي وجود مناطق كردية في الماضي أوالحاضر، كما سيتضح معنا ، والعودة للوثائق الفرنسية وبمراجعة أسماء جميع المدن التي أنشأها الفرنسيون على الحدود مع تركيا لن تجد أي منها يحمل اسماً كردياً باستثناء منطقة جبل الأكراد التي غدت (عفرين) كما أسلفنا. هذا لا ينفي وجود قديم للأكراد في المنطقة ، لكن وجودهم كان على شكل قبائل رحل على اعتبار ان المنطقة رعوية سواء للعشائر العربية أو الكردية ، لم تشهد الاستقرار وإنشاء المدن والبلدات إلا مع عهد الفرنسيين في سورية. ففي الحسكة أسس الفرنسيون قضاء عين ديوار الذي أصبح دجلة في عهدهم ايضاً و أسسوا ناحية قبور البيض ، مدينة القامشلية ، القرمانية "الدرباسية لاحقاً" ، خططوا (الحسجة) الموجودة مسبقاً كثكنة عثمانية ، وأسسوا (رأس العين) السورية مقابل رأس العين القديمة المعروفة، وكلها تأسست بهذا اللفظ المذكور آنفاً مع محاذاة الحدود مع تركيا بغية تثبيت تلك الحدود . حديثنا عن مرحلة تاريخية في حقبة معينة ليس انتقاصاً من الأخوة الأكراد ، خاصة بموضوع النسبة والعدد الذي أعلم أنهم مهتمون به و بتضخيمه كباقي الأقليات " والمعذرة على التوصيف" بقدر إهمالنا كسوريين بغالبيتهم العظمة لهذه المسألة، حتى أنك لو أخذت من افواه الذين انتدبوا أنفسهم للحديث باسم الأقليات ادعاءات نسبتهم فستجد بأن "العرب السنة" لم يتبقَّ لهم من أعداد في سورية سوى 5% بحسب تلك الادعاءات ! حقوق مواطنة لا استغلال نفوذ أنا كباقي السوريين المؤمنين بمبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والتغيير ونبذ الاستبداد والتسلط والظلم، لا أنظر إليهم إلا كمواطنين سوريين لهم حقوق كاملة بما فيها المشاركة في الحكم كأي سوري، وعليهم واجبات ولا انتقص من حقوقهم حتى لو كانت نسبتهم 1% ، وأنا مع أي إجراءات تحفظ هويتهم الثقافية ولغتهم ومع تدريسها في كل المراحل بما فيها الجامعات السورية، لكن أن تصل أطماع البرزاني إلى التفكير بمد نفوذه إلى منطقة تشكل خزان الغذاء والثروة السورية مستغلاً حالة الضعف التي تمر بها سورية، واتجاه الريح الدولية التي يبدو أنها تهبُ بصالحه.. فهذا من العجب العجاب والتهوّر الذي قد يكون له عواقب وخيمة على المدى البعيد؛ وقد يفقد البرزاني حتى فرصة بزوغ وطن كردي في شمال العراق المهيأ لذلك برأيي! المراجـــع: (1):الجريدة الرسمية – المرسوم رقم 393 المنشور بتاريخ 2 أيار 1938 (2): البدرخانيون في جزيرة بوطان – ماليميسانز- وثائق جمعية العائلة البدرخانية – ترجمة كولبهار بدرخان - مطبعة اميرال ، لبنان- بيروت صفحة 193. في الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة (الأكراد في سورية والعراق) غداً: - أين تقع الأراضي التي يزعم الأكراد أن اتفاقية سايكس بيكو اجتزأتها من "كردستان" وضمتها لسورية؟! - النصوص الكاملة المتعلقة بالأكراد في اتفاقية (سيفر) ومن ثم (لوزان) عام 1923